اخبار الوطنالاخبار الرئيسيةالراية الفلسطينيةمن ذاكرة النكبة

105 أعوام على وعد بلفور.. الوعد الباطل!

في الثاني من تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، تصادف الذكرى السنوية لصدور وعد “بلفور”، الذي منحت بموجبه بريطانيا الحق لليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين، بناء على المقولة المزيفة “أرض بلا شعب لشعب بلا أرض”.

تصادف اليوم الأربعاء ، 2 نوفمبر/ تشرين الثاني، الذكرى الـ 104 لصدور (وعد بلفور) المشؤوم، الذي منحت بموجبه بريطانيا “الحق لليهود في إقامة وطن قومي لهم في فلسطين”.

“وعد بلفور” كان بمثابة الخطوة الأولى للغرب على طريق إقامة الكيان الصهيوني على أرض فلسطين؛ استجابة لرغبات “الصهيونية العالمية” على حساب شعب متجذر في هذه الأرض منذ آلاف السنين.

بالرغم من أن “وعد بلفور” نفسه يقول بمنح اليهود وطنا قوميا في فلسطين وليس في “إسرائيل”، كما أن عصبة الأمم أسندت لبريطانيا مهمة الانتداب على فلسطين وشعبها وليس على “إسرائيل”، إلا ان الصهاينة بثوا مغالطات أردوا أن يفرضوها كحقائق وعلى رأسها نفي وجود شعب فلسطيني وأن فلسطين هي “إسرائيل”.

تاريخ فلسطين القديم يضرب بجذوره لآلاف السنين، حيث يعود لما قبل الكنعانيين، وقد ذكرت التوراة أنه عندما قَدِم العبرانيون لفلسطين وجدوا فيها الشعب الفلسطيني، وكما يقال المثل الشعبي “من لسانهم ندينهم” وهذه مقتطفات من كتبهم المقدسة دون زيادة او نقصان:

ففي الكتاب المنسوب إلى نبيهم يشوع بن نون “يشوع” جاء “وقد بقيت أرض كثيرة– لم يدخلها اليهود– وهي: كل دائرة الفلسطينيين وكل أرض الجاشوريين –أمام مصر– وأقطاب الفلسطينيين الخمسة –وهم: الغزي والأشدودي والأشقلوني والجتي والعقروني…”. وفي عصر (القضاة) الموالي لعصر يوشع جاء في سفر القضاة (10:7): “فحمى غضب الرب على بني إسرائيل– وباعهم بيد الفلسطينيين فحطموا إسرائيل ثماني عشرة سنة –في جميع أرض بني إسرائيل” وفي سفر القضاة (1:13) جاء “ثم عاد بنو إسرائيل يعملون الشر في عيني الرب – فدفعهم الرب إلى يد الفلسطينيين أربعين سنة”.

“وعد بلفور”

 هو الاسم الشائع المطلق على الرسالة التي أرسلها آرثر جيمس بلفور بتاريخ 2 نوفمبر 1917 إلى اللورد ليونيل ولوتر دي روتشيلد يشير فيها إلى تأييد الحكومة البريطانية لإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين.

حين صدر الوعد كان تعداد اليهود في فلسطين لا يزيد عن 5% من مجموع عدد السكان. وقد أرسلت الرسالة قبل أن يحتل الجيش البريطاني فلسطين. يطلق الفلسطينيون والمناصرون للقضية الفلسطينية عبارة “وعد من لا يملك لمن لا يستحق” لوصفهم الوعد.

عن وعد بلفور

يعدُّ وعد بلفور الدعامة الأولى للكيان الصهيوني الغاصب ما يسمى “إسرائيل”؛ فما هو ذلك الوعد، وما أسبابه، وماذا يتضمن؟

وعد بلفور: هو ذلك الوعد الذي أصدرته الحكومة البريطانية بإنشاء الوطن القومي اليهودي في فلسطين، وذلك في الثاني من نوفمبر عام 1917.

وقد تواتر أن الباعث الأعظم الذي حقق حلم الصهيونية هو ما رواه (لويد جورج) رئيس الوزارة البريطانية الأسبق في مذكراته عن الدور الذي قام به وايزمان في خدمة بريطانيا إبان الحرب العظمى، وذلك عندما ساعد بريطانيا في استخراج مادة الأسيتون التي تستخدم في صنع الذخائر الحربية التي كانت تستخرج من خشب الأشجار، وكان استخراجها بكميات كافية يحتاج إلى مقادير هائلة من الخشب، وليس في إنجلترا غابات كثيرة تفي بهذه الحاجة، فكانت تستورد من أمريكا، والأسعار ارتفعت.

وأخيراً اهتدى لويد- وكان يومئذ رئيس لجنة الذخائر- إلى أستاذ بارع في الكيمياء وضع مواهبه تحت تصرف بريطانيا، وهو الدكتور (وايزمان) الذي أصبح بعد ذلك مشهوراً، وكان وايزمان مقتنعاً بأن أمل الصهيونية رهين بانتصار الحلفاء؛ فاستطاع بعد بضعة أسابيع أن يستخرج المادة المطلوبة الأسيتون من عناصر أخرى غير الخشب، مثل الحبوب والذرة على وجه الخصوص، وبذلك حلَّ لبريطانيا أعوص مشكلة عانتها أثناء الحرب.

ورفض الدكتور (وايزمان) كل جزاء مقابل عمله، بشرط أن تصنع بريطانيا شيئاً في سبيل الوطن القومي اليهودي.

ولما تولى (لويد جورج) رئاسة الوزارة خاطب بلفور بأن بريطانيا تريد أن تجتذب إلى صفها اليهود في الدول المجاورة، وكانوا ميالين إلى ألمانيا لسخطهم على روسيا، وكان لذلك أثره على وعد بلفور.

وبعبارة أخرى فإن بريطانيا رغبت في مكافأة الصهيونية على عملها، ومساعدتها لها في الحرب، ورغبت أيضاً في كسب اليهود، فكان ذلك الوعد … عام 1917.

وكان الثمن إعطاء ما لا يملك شيئاً لمن لا يستحق شيئاً.

وبعد ذلك تتابعت الهجرة اليهودية من شتى أقطار العالم، وانصهرت في بوتقة اليهودية أكثر من سبعين جنسية من مصر، واليمن، والحبشة، والعراق، والهند، وأروبا، وروسيا، وأمريكا، وغيرها.

وفي عام 1948، ارتفع عدد اليهود من خمسين ألف مهاجر إلى ستمائة وخمسين ألفاً، ثم تتابعت الهجرات من كل أنحاء العالم.

وعد بلفور كان بمثابة الخطوة الأولى للغرب على طريق إقامة كيان لليهود على أرض فلسطين؛ استجابة مع رغبات الصهيونية العالمية على حساب شعب متجذر في هذه الأرض منذ آلاف السنين.

وجاء الوعد على شكل تصريح موجه من قبل وزير خارجية بريطانيا آنذاك، آرثر جيمس بلفور في حكومة ديفيد لويد جورج في الثاني من تشرين الثاني عام 1917، إلى اللورد روتشيلد، أحد زعماء الحركة الصهيونية العالمية، وذلك بعد مفاوضات استمرت ثلاث سنوات دارت بين الحكومة البريطانية من جهة، واليهود البريطانيين والمنظمة الصهيونية العالمية من جهة أخرى، واستطاع من خلالها الصهاينة إقناع بريطانيا بقدرتهم على تحقيق أهداف بريطانيا، والحفاظ على مصالحها في المنطقة.

وكانت الحكومة البريطانية قد عرضت نص تصريح بلفور على الرئيس الأميركي ولسون، ووافق على محتواه قبل نشره، ووافقت عليه فرنسا وإيطاليا رسميا سنة 1918، ثم تبعها الرئيس الأميركي ولسون رسميا وعلنيا سنة 1919، وكذلك اليابان، وفي 25 نيسان سنة 1920، وافق المجلس الأعلى لقوات الحلفاء في مؤتمر “سان ريمو” على أن يعهد إلى بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وأن يوضع وعد بلفور موضع التنفيذ حسب ما ورد في المادة الثانية من صك الانتداب، وفي 24 تموز عام 1922 وافق مجلس عصبة الأمم المتحدة على مشروع الانتداب الذي دخل حيز التنفيذ في 29 أيلول 1923، وبذلك يمكننا القول إن وعد بلفور كان وعدا غربيا وليس بريطانيا فحسب.

في المقابل اختلفت ردود أفعال العرب تجاه التصريح بين الدهشة، والاستنكار، والغضب، وبهدف امتصاص حالة السخط والغضب التي قابل العرب بها وعد بلفور، حيث أرسلت بريطانيا رسالة إلى الشريف حسين، بواسطة الكولونيل باست، تؤكد فيها الحكومة البريطانية أنها لن تسمح بالاستيطان اليهودي في فلسطين إلا بقدر ما يتفق مع مصلحة السكان العرب، من الناحيتين الاقتصادية والسياسية، ولكنها في الوقت نفسه أصدرت أوامرها إلى الإدارة العسكرية البريطانية الحاكمة في فلسطين، أن تطيع أوامر اللجنة اليهودية التي وصلت إلى فلسطين في ذلك الوقت برئاسة حاييم وايزمن خليفة هرتزل، وكذلك عملت على تحويل قوافل المهاجرين اليهود القادمين من روسيا وأوروبا الشرقية إلى فلسطين، ووفرت الحماية والمساعدة اللازمتين لهم.

لا شك أن بريطانيا الانتدابية عملت كل ما من شأنه تطبيق “وعد بلفور” ولكن عدم جدية الأنظمة والحركات العربية والإسلامية المتواجدة آنذاك بل وتخاذل بعضها سهل المأمورية على بريطانيا وعلى الحركة الصهيونية للهيمنة على فلسطين، كما أن استمرار التخاذل العربي بعد صدور الوعد وأثناء حرب 1948 وما بعدها جعل دولة الاحتلال على ما هي عليه اليوم.

أما الشعب الفلسطيني فلم يستسلم للوعود والقرارات البريطانية والوقائع العملية التي بدأت تفرض على الأرض من قبل الحركة الصهيونية وعصاباتها المسلحة، بل خاض ثورات متلاحقة، كان أولها ثورة “البراق” عام 1929، ثم تلتها ثورة 1936.

من جهتها انتهزت الحركة الصهيونية العالمية وقادتها واتخذت من هذا الوعد مستندا قانونيا لتدعم به مطالبها المتمثلة، في إقامة الدولة اليهودية في فلسطين، وتحقيق حلم اليهود بالحصول على تعهد من إحدى الدول الكبرى بإقامة وطن قومي لهم، يجمع شتاتهم بما ينسجم وتوجهات الحركة الصهيونية، بعد انتقالها من مرحلة التنظير لأفكارها إلى حيز التنفيذ في أعقاب المؤتمر الصهيوني الأول، الذي عقد في مدينة بازل بسويسرا عام 1897، والذي أقرّ البرنامج الصهيوني، وأكد أن الصهيونية تكافح من أجل إنشاء وطن للشعب اليهودي في فلسطين.

وتبدو الإشارة إلى وعد بلفور في نص وثيقة الاستقلال المعلنة مع قيام “دولة إسرائيل”، دليلا فصيحا على أهمية هذا الوعد بالنسبة لليهود، حيث نقرأ في هذه الوثيقة:” الانبعاث القومي في بلد اعترف به وعد بلفور”، وتمكن اليهود من استغلال تلك القصاصة الصادرة عن آرثر بلفور المعروف بقربه من الحركة الصهيونية، ومن ثم صك الانتداب، وقرار الجمعية العامة عام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين ليحققوا حلمهم بإقامة “إسرائيل” في الخامس عشر من مايو/أيار عام 1948، وليحظى هذا الكيان بعضوية الأمم المتحدة بضغط الدول الكبرى، ولتصبح “إسرائيل” أول دولة في تاريخ النظام السياسي العالمي التي تنشأ على أرض الغير، وتلقى مساندة دولية جعلتها تغطرس في المنطقة، وتتوسع وتبتلع المزيد من الأراضي الفلسطينية والعربية، وتبطش بمن تبقى من الشعب الفلسطيني على أرضه دون رحمة.

تصريح بلفور أعطى وطنا لليهود وهم ليسوا سكان فلسطين، حيث لم يكن في فلسطين من اليهود عند صدور التصريح سوى خمسين ألفا من أصل عدد اليهود في العالم حينذاك، والذي كان يقدر بحوالي 12 مليونا، في حين كان عدد سكان فلسطين من العرب في ذلك الوقت يناهز 650 ألفا من المواطنين الذين كانوا، ومنذ آلاف السنين يطورون حياتهم في بادية وريف ومدن هذه الأرض، ولكن الوعد المشؤوم تجاهلهم ولم يعترف لهم إلا ببعض الحقوق المدنية والدينية، متجاهلا حقوقهم السياسية والاقتصادية والإدارية.

وعد بلفور الذي أسس دولة الاحتلال لم يكن الوعد الذي أصدره أرثر بلفور في الثاني من نوفمبر 1917 بل حزمة من الاتفاقات والتفاهمات المرتبطة بهذا الوعد:

سايكس-بيكو

لا يمكن أن نفصل وعد بلفور عام 1917 عن اتفاقية “سايكس-بيكو” 1916 وهي الاتفاقية التي قسمت المناطق العربية التي كانت خاضعة للإمبراطورية العثمانية بين فرنسا وبريطانيا وأوجدت للعرب كيانات سياسية شغلتهم عن مواجهة الخطر الصهيوني، وقد صور ساطع الحصري ما آلت إليه الأوضاع العربية بعد “سايكس-بيكو” بقوله “فهذا فلسطيني يعتبر الصهيونية أول ما يجب أن يهتم به من مشاكل، وذلك سوري يرى في أطماع فرنسا أكبر الأطماع والأخطار التي تهدد قضيته، وذاك عراقي يقول بوجوب الثورة ضد الإنكليز أولاً”.

تخاذل العرب

لم يكن التخاذل والتواطؤ من الأوروبيين فقط بل كان للعرب دور في فشلهم من الاستفادة من نتائج الحرب العالمية الأولى ومسؤولية عن صدور “وعد بلفور”. فخلال عام 1915 وما بعده جرت محادثات أو تفاهمات بين والي مكة آنذاك الشريف حسين من جانب والبريطاني مكماهون في العام نفسه. ففي الفترة الأولى من قيام الثورة أوضح الشريف حسين مطالب الحركة القومية العربية في رسالة بعثها إلى هنري مكماهون. ونظراً لسياسة بريطانيا المتسمة بالمماطلة والغموض والمعادية لطموحات العرب، فقد رد مكماهون على مطالب الشريف حسين لبريطانيا بالتعهد باستقلال العرب باستثناء بعض المناطق، وهي التي حددت في رسالة مكماهون بأنها أجزاء من بلاد الشام، الواقعة في الجهة الغربية لولايات دمشق الشام حمص وحماة وحلب، وكان تفسير بريطانيا لذلك، أنه “لا يمكن أن يقال إن هذه المناطق عربية تماماً”.

أثار الغموض الذي صاحب موافقة حسين على هذا الاستثناء كثيراً من الالتباس حول مدى جدية قادة الحركة القومية العربية في التمسك بعروبة فلسطين، وخصوصاً أن الحركة الصهيونية وبريطانيا فسرتا الاستثناء المشار إليه في مراسلات حسين- مكماهون بأنه موافقة ضمنية من العرب على استثناء فلسطين من المناطق المطالب باستقلالها، واعتبروا أن فلسطين تقع ضمن المناطق الواقعة غرب دمشق وحمص وحماة. في تصريح لتشرشل في 11.07.1922 -كان آنذاك وزيراً للمستعمرات – أكد أن فلسطين كانت مستثناة من تعهدات الحكومة البريطانية للعرب بالاستقلال. وادعى بأن فيصل بن الشريف حسين كان قد اتفق أثناء مباحثاته مع البريطانيين عام 1921 على ذلك. أثيرت المسألة من جديد مع تدهور الأوضاع في فلسطين، والمواجهات  التي وقعت في عام 1929 –انتفاضة البراق– بين شعب فلسطين والحركة الصهيونية، ففي التاسع من كانون الأول/ديسمبر 1929، وأثناء بحث المسألة الفلسطينية في لندن، أعلن شليز وكيل وزارة المستعمرات أن فلسطين لم تكن مشمولة بالوعد الذي قطعته بريطانيا للشريف حسين.

التقصير تجاه شعب فلسطين

ما عزز من الرأي الذي يتهم الشريف حسين بالتقصير تجاه شعب فلسطين موقف ابنه فيصل، ففي أثناء وجود فيصل في باريس 1919 اجتمع في كانون الثاني/يناير، من العام نفسه مع الصهيوني وايزمان، بوساطة بريطانيا، وحسبما هو ثابت في محاضر اللقاء تعهد فيصل بتوثيق التعاون مع الحركة الصهيونية وفتح باب الهجرة أمام اليهود، واعترافه بوعد بلفور. وقد حاول فيصل تبرير موقفه هذا بالحالة النفسية التي كان يعيشها وحيداً محاصراً في أوروبا، وبالضغوط التي مارستها عليه بريطانيا، وخداع لورنس له!.

الانتداب البريطاني

إعلان بريطانيا وفرنسا كدولتين منتدبتين على الأقاليم التي تحتلانها حيث أعلن مجلس السلام الأعلى في نيسان (أبريل) عام 1920 هذا القرار دون الرجوع إلى رغبات وأماني الشعوب. وعلى أثر ذلك قامت بريطانيا بممارسة صلاحيتها على فلسطين، وقد ذكر هربرت صموئيل المندوب السامي الذي نصبته بريطانيا في فلسطين أوائل تموز (يوليو) 1920 أن مهمته هي “اتخاذ التدابير لضمان إنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين بالتدريج”.

العامل الذاتي لليهود بـ “نجاح وعد بلفور”

صحيح أن “وعد بلفور” شجع اليهود على الهجرة إلى فلسطين وخصوصا أن بريطانيا التي وعدت اليهود احتلت فلسطين، وكلفت عصبة الأمم المتحدة بريطانيا بالانتداب على فلسطين، وصحيح أن وضع العرب خلال الربع الأول من القرن العشرين لم يكن من القوة بحيث يقف في وجه الهجرة اليهودية والمخططات الاستعمارية بل كان متواطئا أحيانا، ولكن صحيح أيضا أن اليهود لم يركنوا فقط إلى “وعد بلفور” بل بذلوا جهودا ذاتية كبيرة ليحققوا حلمهم بقيام “دولة اليهود”، فالاستيطان بدأ في فلسطين قبل “وعد بلفور”، ومنذ العشرينات نظم اليهود أنفسهم وأقاموا مؤسسات مثل المنظمة العمالية اليهودية “الهستدروت” وأقاموا جامعة خاصة بهم عام 1925، ونظموا أنفسهم في حركات سياسية مقاتلة نسميها نحن بالعصابات الصهيونية كمنظمة “شتيرن” و”الهاغاناة” و”البلماخ”، وقاموا بعمليات إرهابية ضد العرب وحتى ضد الجيش البريطاني، وبعض قادتهم صدرت بحقهم أحكام بالإعدام من البريطانيين، وخلال حرب 1948 دفع اليهود للحرب عددا من المقاتلين أكثر من مجموع الجيوش العربية السبعة التي ذهبت للقتال في فلسطين ومارسوا عمليات قتل وترويع وإرهاب بحق سكان البلاد الأصليين، وبعد الحرب وقيام دولة الاحتلال لم يُرهن الصهاينة أنفسهم بدولة أجنبية بعينها بل أسسوا جيشا قويا وامتلكوا السلاح النووي وخاضوا عدة حروب عدوانية على الفلسطينيين والدول العربية وغيره.

صدور “وعد بلفور” المُهدِد للشعب الفلسطيني ولفلسطين دون بقية الأراضي العربية  كان من أهم عوامل انبثاق حالة وطنية فلسطينية أو ظهور الشعب الفلسطيني الحديث، فالنقيض لوجود فلسطين أرضا وشعباً دفع الفلسطينيين لمواجهة هذا الخطر الداهم على وجودهم الوطني، حيث بدأوا يتلمسون خصوصية وضعهم مع بداية الأطماع الصهيونية الهادفة لاقتلاعهم من أرضهم ونفي هويتهم الوطنية. وهكذا وجد الفلسطينيون أنفسهم منذ بداية القرن العشرين في وضع لا يحسدون عليه، حيث عملت التحالفات والمساومات الدولية لغير مصلحتهم. فقد شهدت بداية هذا القرن تبلور الحركة الصهيونية ووضوح أهدافها وانتقالها من مرحلة الفكر وتحديد الأهداف إلى مرحلة التنفيذ والفعل، هذا الجهد الصهيوني ترافق مع تكثيف المخططات الاستعمارية للهيمنة على المنطقة العربية.

مع انكشاف حقيقة المؤامرة على فلسطين، أخذ الفلسطينيون يتلمسون طريقهم الخاصة في النضال، وليخوضوا مسيرة العمل الوطني بما يكتنفها من غموض وصعوبة، نظراً لجسامة الأخطار المحدقة بفلسطين، وكانت أهم صعوبة واجهت الحركة الوطنية الفلسطينية في بداية مسيرتها تتجسد في قوة الخصم الواقف في مواجهتها والمتمثل في التحالف الصهيوني الاستعماري، وكان هذا أكبر من طاقتها على المواجهة، مما دفعها إلى محاولة الفصل في هذه المرحلة ما بين الصهيونية وبين سلطات الانتداب البريطاني، وقد استغلت السلطات البريطانية هذه السياسة تجاهها ونصبت نفسها حكما في الصراع الدائر على أرض فلسطين. وهذا ما تجسد في تشجيعها على بلورة نشاط سياسي فلسطيني أخذ اسم “الجمعيات الإسلامية–المسيحية”.

لم يكن تشجيع السلطات البريطانية، على خلق نواة حركة سياسية في فلسطين، حرصاً منها على شعب فلسطين وتفهماً لعدالة قضيته ورغبة صادقة في خلق معارضة عربية تقف في وجه المخططات الصهيونية في فلسطين. ولكن الهدف الأساسي من وراء ذلك كان إبعاد الشعب الفلسطيني عن محيطه العربي وحرف تطلعاته الوحدوية القومية، من خلال خلق مجالات للعمل السياسي الإقليمي مسيطر عليها وموجهة من قبل بريطانيا. وبذلك تضع إسفينا بين شعب فلسطين وبين حركة الوحدة العربية التي كانت آنذاك تطالب بإقامة دولة عربية موحدة في البلاد التي كانت خاضعة لتركيا بما فيها فلسطين.

تغاضت السلطات الانتدابية بداية عن نشاط الجمعيات الإسلامية، وبرزت الإرهاصات الأولى لإقليميات عربية عبر عنها ساطع الحصري في كتاب (يوم ميسلون) كما يلي: “فهذا فلسطيني يعتبر الصهيونية أول ما يجب أن يهتم به من مشاكل، ذلك سوري يرى في أطماع فرنسا أكبر الأخطار التي تهدد القضية العربية، وذلك عراقي يقول بوجوب الثورة ضد الإنجليز قبل كل شيء”. في ظل هذه الأوضاع اتجهت الجمعيات الإسلامية –المسيحية، نحو التمركز التنظيمي، فدعت إلى عقد مؤتمر عام لها ما بين السابع والعشرين من كانون الثاني/يناير والعاشر من شباط/فبراير عام 1919، اتخذ نشاط هذه الجمعيات في البداية طابعاً قومياً وظهر ذلك جليا في النقاشات التي دارت بين الأقطاب الفلسطينيين قبل انعقاد المؤتمر، فيذكر أنه مع وجود تيار إقليمي يدعو إلى أن تكون فلسطين للفلسطينيين إلا أن التيار الغالب كان تيار الوحدة العربية.

وقد تأكد عمق الانتماء القومي عند الفلسطينيين وإيمانهم بالوحدة العربية من خلال القرارات التي أصدرها مؤتمرهم الوطني هذا فالإضافة إلى إصدار قرار من المؤتمرين بتسمية فلسطين “سوريا الجنوبية” فقد ورد في القرارات ما يلي:

أولاً: إننا نعتبر فلسطين جزءاً من سوريا العربية، إذ لم يحدث أن انفصلت عنها في أي وقت من الأوقات ونحن مرتبطون بها بروابط قومية ودينية ولغوية، وطبيعية واقتصادية وجغرافية.

ثانياً: إن التصريح الذي أدلى به المسيو بيكو وزير خارجية فرنسا وقال فيه “إن لفرنسا حقوقاً في بلدنا مبنية على رغائب ومطامح السكان”، ليس لها أساس. ونحن نرفض جميع التصريحات التي أدلى بها في الخطاب في 29 كانون الأول/ديسمبر عام 1918 لأن تمنياتنا ومطامحنا تنحصر في الوحدة العربية والاستقلال التام.

ثالثاً: بناء على ما تقدم، إننا نعرب عن رغبتنا بأن لا تنفصل سوريا الجنوبية -فلسطين- عن حكومة سوريا المستقلة، وأن تكون متحررة من جميع أنواع النفوذ والحماية الأجنبية. وفي نهاية المؤتمر قرر المؤتمرون إرسال وفد إلى بلاد الشام للاجتماع مع قادة البلاد القوميين وللتعبير عن عواطف أهل (سوريا الجنوبية) في بقائهم وإياهم كتلة عربية مستقلة، إلا أن الإنكليز منعوا الوفد من السفر إلى دمشق.

كان أمل الانضمام وتأكيد الانتماء لسورية الطبيعية قد راود أحلام الفلسطينيين، باعتباره المخرج الوحيد أمامهم من المأزق الذي كانوا يواجهونه، ولم يتركوا مناسبة إلا وعبروا عن طموحاتهم هذه. ففي اجتماع لقادة الحركة الوطنية الفلسطينية يوم الثاني عشر من نيسان/أبريل 1919 حددوا المطالب الواجب تقديمها للجنة “كنج كرين”، والتي تركزت على اعتبار “سوريا” التي تمتد من جبال طوروس شمالاً إلى ترعة السويس جنوباً مستقلة استقلالاً تاماً ضمن الوحدة العربية وأن فلسطين جزء لا يتجزأ منها.

وفي كانون الثاني/يناير 1920 رفعت الجمعية الإسلامية المسيحية بنابلس مذكرة إلى مؤتمر الصلح في باريس قالت فيها. “إننا لا نريد غير استقلال بلادنا السورية واحدة غير متجزئة وإننا نرفض المزاعم الصهيونية والهجرة اليهودية، ففصل فلسطين عن سوريا يفهمنا بصراحة تامة أن المراد منه تمزيق البلاد العربية إرضاء للمصالح الاستعمارية، وأنه لم يكن إلا تطبيقا لمعاهدة 1916، التي هي تعد صريح على حقوقنا والتي يقصد من ورائها تلاشي قوميتنا.

إن المتتبع للعمل السياسي داخل فلسطين منذ صدور وعد بلفور وحتى أواخر 1920، يلاحظ تقاطع النضال الفلسطيني مع نضال الحركة القومية العربية وأنه امتداد لها بالرغم من الالتباس الذي صاحب نشوء الأولى. ويرجع هذا التداخل كما سبقت الإشارة إليه إلى عدة عوامل. كان الخطر الصهيوني وقوة معسكر الأعداء سبباً لا يستهان به في هذا المجال، وهو ما أكده تقرير المخابرات البريطانية في تشرين الثاني/نوفمبر 1919، حيث أوضح أن الخوف من الصهيونية هو “السبب الرئيسي الذي يدفع الشباب من العناصر الموالية للوحدة العربية نحو العطف على الاتحاد مع سوريا العربية المستقلة، فبانضمام فلسطين إلى سوريا العربية، يصبح في وسع شعب فلسطين، بمساعدة العرب الآخرين، أن يقاوموا بنجاح الهجرة اليهودية.

وثيقة وعد بلفور النسخة الأصلية الموجهة للحركة الصهيونية:
وزارة الخارجية البريطانية

2 نوفمبر 1917م

عزيزي اللورد روتشيلد

يسرني جدا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي، الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرته:

“إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهوما بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى”.

وسأكون ممتنا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علما بهذا التصريح.

المخلص

آرثر بلفور

المصادر:

السكاكيني، كذا أنا يا دنيا: يوميات خليل السكاكيني، ص175.

كامل خلة، فلسطين والانتداب البريطاني، 922-1939، الملحق رقم 16، ص528.

الكيالي، تاريخ فلسطين الحديث، ص126

عبد الوهاب الكيالي، جامع، وثائق المقاومة الفلسطينية ضد الاحتلال البريطاني والصهيونية، 1918-1939، سلسة الوثائق العامة، (بيروت: مؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1968) ص16.

مركز الابحاث الفلسطيني

روابط ذات صلة:

“ثورة البراق” محطة هامة في تشكيل الوعي الوطني العربي والفلسطيني

“ثورة البراق” أول ثورة شعبية كبرى ضد المشروع الصهيوني في فلسطين، رغم أنه سبقتها عدة انتفاضات ومظاهرات وحركات شعبية ضد…

أكمل القراءة »

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى