اخبار الوطنالاخبار الرئيسيةالراية الفلسطينيةمن ذاكرة النكبة

مذبحة الدوايمة.. مذبحة مروعة بقيت طويلاً طي الكتمان

تُعتبر مذبحة الدوايمة، من كبرى المجازر التي حفلت بها النكبة عام 1948، وربما كانت أكبرها وأروعها. وما كان يميزها من مذبحة مثل مذبحة دير ياسين التي نفذتها مليشيات العصابات الصهيونية في 9 نيسان/ أبريل، هو أنه في حالة الدوايمة، نفّذتها قوات عسكرية نظامية وذو قدرة تخطيطية عملياتية، بعد أن وطدت “الدولة الجديدة” أركانها وسعت لاعتراف دولي بها وتهيأت لتقديم طلب الانضمام إلى الأمم المتحدة والتعهد باحترام جميع الالتزامات التي ينص عليها ميثاقها. من جهة أُخرى، وبخلاف حالة دير ياسين، لم تتبع مذبحة الدوايمة في حينه حملات فلسطينية-عربية تندد بها، ولم يجرِ التعامل البحثي-الإعلامي مع حجمها ومجرياتها إلاّ بعد أكثر من ثلاثة عقود.

كانت الدوايمة إحدى أكبر قرى قضاء الخليل، وتقع على بعد 24 كم من مدينة الخليل، وعلى ارتفاع أقل من 500 متر فوق سطح البحر. يحدها من الشمال بيت جبرين، ومن الجنوب أراضي دورا، ومن الشرق دورا وإدنا، ومن الغرب القبيبة وعرب الجبارات. بلغت مساحتها 179 دونماً، وعدد سكانها 3710 نسمات بحسب إحصاءات الانتداب البريطاني في سنة 1945، وامتازت القرية بكثرة خرائبها الرومانية القديمة واشتهرت بزراعة الزيتون، وكانت مركزاً لأحد أهم أسواق المنطقة، وهي سوق يوم الجمعة، وقد أطلق الأهالي عليها اسم “سوق البَرّين” إشارة إلى منتوجات السهل والجبل التي كانت تُعرض فيها.

وقد شهدت المنطقة التي تقع القرية ضمنها، مناوشات بين السكان والمستعمرات الصهيونية بعد انتهاء الانتداب ورحيل القوات البريطانية. وشعر أهل الدوايمة بالحاجة إلى تنظيم صفوفهم، فألفوا لجنة قومية لتنظم شؤون الدفاع وشراء السلاح. وقد تمكنت اللجنة من شراء عدة بنادق وكميات قليلة من الذخيرة من مواطنين مصريين.

وخلال الأشهر الخمسة التي تلت “قرار التقسيم “في تشرين الثاني/ نوفمبر 1947، خاض أبناء القرية ومناضلو جبل الخليل معارك طاحنة منها معركة مستعمرة “كفار عتسيون”. وفي تشرين الأول/ أكتوبر 1948، بدأت المعارك تقترب من الدوايمة، وخصوصاً عندما تمكنت القوات الصهيونية من احتلال عدد من القرى القريبة، وعلى رأسها المقحز، في محاولة لتضييق الخناق على القوات المصرية المرابطة في عراق المنشية والفالوجة من ناحية، وللاتصال بالمستعمرات شمالي خط بيت جبرين – الفالوجة من ناحية ثانية.

تطورت الأمور بصورة خطرة في النصف الثاني من تشرين الأول/ أكتوبر عندما قررت دولة الاحتلال الصهيوني، خرق الهدنة الثانية وإطلاق عملية يوآف جنوب فلسطين. فاستكملت القوات المهاجمة حصار الفالوجة وعراق المنشية، الأمر الذي وضع الدوايمة والقرى المجاورة قاب قوسين أو أدنى من السقوط. وبدأ الشباب بتأمين حراسة ليلية في القرية تحسباً لأي هجوم محتمل. وفي 27 تشرين الأول/ أكتوبر 1948 انسحبت القوات المصرية من بيت جبرين إلى الخليل، ورحل معها أهالي بيت جبرين والقبيبة في اتجاه الدوايمة وقرى أُخرى، الأمر الذي أدى إلى إحكام الطوق على القوات المصرية فيما عُرف بجيب “الفالوجة” الذي كان الرائد جمال عبد الناصر -فيما بعد الرئيس المصري- ضمن قواته.

وباءت محاولات أهل الدوايمة الاتصال بقيادات الجيوش العربية طلباً للحماية بالفشل، وهو ما أثار هلعاً في نفوس الأهالي، فأخذ بعضهم بترحيل النساء والأطفال والعجزة. وما كاد أهل القرية يفرغون من صلاة الجمعة في 29 تشرين الأول/ أكتوبر 1948، حتى جاءت أنباء وصول القوات الصهيونية إلى مشارف القرية.

كانت الكتيبة 89 التابعة للواء الثامن بقيادة يتسحاق ساديه مؤسس “البالماخ” هي الوحدة التي نفذت الهجوم. وقد انطلق أفرادها من القبيبة، في دبابات مزودة برشاشات ومدافع، وعند وصولهم إلى مشارف القرية، توزعوا في مجموعات هاجمت القرية من ثلاث جهات مطلقين النار بغزارة من الشمال والجنوب والغرب تاركين الجهة الشرقية مفتوحة. لم يكن في القرية سوى 20 رجلاً مسلحاً متمركزين في الجهة الغربية منها، وقد حاول المدافعون إعاقة الهجوم فراح قسم منهم يطلق النار من البنادق، وقسم راح يضع الحجارة على مداخل القرية لإعاقة تقدم القوات المهاجمة، بينما احتمى عدد من الأهالي في مسجد القرية، وآخرون اختاروا البقاء في منازلهم، وفرَّ عدد آخر في اتجاه منطقة دورا وقراها، واختبأ قسم في كهوف ومغاور قريبة من القرية.

أمام التفوق الكاسح للقوات المهاجمة، ترك المدافعون مواقعهم، وراحت المدفعية الصهيونية تدك بيوت القرية بينما كان الرصاص يلاحق الناجين من أهلها. ومع ظهيرة اليوم دخلت القوات الصهيونية القرية من الجهات الثلاث وسط مقاومة ضئيلة، وبدأت بتنفيذ مذبحة على ثلاث مراحل؛ الأولى، استهدفت الأهالي في المنازل والأزقة، والثانية في مسجد القرية، والثالثة في أحد الكهوف في منطقة طور الزاغ.

كان هناك شاهدا عيان رئيسيان لما حدث من عمليات قتل في قرية الدوايمة: مختار القرية حسن محمود هديب، وجندي من العصابات الصهيونية. وردت شهادة المختار في رسالة بعثها أمين سر “مؤتمر اللاجئين العرب” في رام الله في 14 حزيران/ يونيو 1949 إلى لجنة الأمم المتحدة للتوفيق بشأن فلسطين المجتمعة في لوزان بمشاركة الدول العربية المعنية و”إسرائيل”.

وذكر المختار في شهادته أنه عندما اقتحمت القرية سيارات صهيونية مصفحة وهي تطلق النار، ترجّل منها عدد من الجنود، فانتشروا في شوارع القرية وراحوا يطلقون الرصاص بشكل عشوائي على كل ما يتحرك. وفي حين التجأ كبار السن إلى المسجد، أخذ الأهالي بالفرار بمَن فيهم المختار نفسه. لكن هذا الأخير عاد إلى القرية مع بعض الأهالي في الليلة التالية لمعرفة مصير مَن خلفوا وراءهم، فوجدوا في المسجد نحو 60 جثة لشهداء تعود أكثريتها إلى كبار السن، وبينهم والده، وفي الشوارع أعداداً كثيرة من الجثث تعود لرجال ونساء وأطفال. ثم توجهوا الى “عراق الزاغ” فوجدوا على فم الكهف 85 جثة تعود هي أيضاً لرجال ونساء وأطفال.

ومن الجدير بالذكر أن المختار نفسه عاد وأدلى في سنة 1984 بشهادته إلى إحدى الصحافيات الصهيونية في صحيفة “حداشوت”، فذكر تفصيلات إضافية، منها أنه طُلب من القرويين الذين التجأوا إلى الكهوف واكتُشفوا من القوات المهاجمة، أن يبدأوا الاصطفاف في خط واحد والسير نحو الشرق، فجرى رميهم بالرصاص. وذكر أيضاً أن بعض الأهالي أتى في الليلة التالية لدفن الجثث في بئر. وللتأكد من صحة المعلومات التي أدلى بها المختار حسن محمود هديب، اصطحبته الصحافية مع أربعة عمال إلى المكان الذي أشار إليه، فحفروا في البئر المقصودة. وهناك تم اكتشاف مجموعة من العظام البشرية وبقايا هياكل عظمية ملقاة فوق بعضها، منها ثلاث جماجم تعود إحداها لطفل صغير، وعندها توقف العمال عن الحفر. وعليه نشرت الصحافية مقالتها في 24 آب/ أغسطس 1984.

أمّا شهادة الجندي الصهيوني، فقد سجّلها أحد أعضاء حزب “مبام، ش”. كابلان وضمّها في رسالة وجّهها إلى رئيس تحرير الصحيفة الناطقة باسم الحزب، “عال همشمار”، في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر 1948، أي بعد 9 أيام من وقوع المذبحة. لكن الرسالة بقيت طي الكتمان إلى حين عثر عليها المؤرخ الصهيوني بني موريس وذكرها في كتابه عن ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين الصادر سنة 1987. (نُشر النص الكامل للرسالة في صحيفة هآرتس سنة 2016).

وذكر الجندي أنه لم يكن هناك قتال أو مقاومة في الدوايمة، وأن الفوج الأول من المهاجمين قتلوا ما بين 80 و100 عربي، وقاموا بتحطيم جماجم الأطفال بواسطة العصي. ثم قام فوج ثانٍ بمحاصرة مَن كانوا في بيوتهم، واستجلبوا خبراء متفجرات قاموا بتفجير المنازل على رأس من فيها. ويروي الجندي كيف أن امرأتين مسنتين وضعتا في أحد المنازل وأمر أحد القادة زارع ألغام بتفجيره، وعلى الرغم من رفض زارع الألغام تنفيذ الأمر، فإن العملية نُفذت. وقصة امرأة كانت قد أنجبت حديثاً، استخدمها الجنود لتنظيف الفناء الخلفي حيث كانوا يتناولون الطعام قبل أن تُقتل مع طفلها.

ويتحدث ش. كابلان في رسالته، كيف كان يستمع على مدى أسبوعين إلى روايات جنود وقيادات يتباهون ببراعتهم في عمليات القتل والاغتصاب، وكيف أن هذه الأفعال كانت تُعتبر مهمة رائعة بالنسبة إليهم. واعترف أن حزبه كان في مأزق، إذ لم يكن من الوارد نشر المعلومات لأنها ستلحق الضرر بصورة الدولة.

وقد بلّغ الناجون الذين تمكنوا من الوصول إلى الخليل، مراقبي الأمم المتحدة والمسؤولين العرب أن العصابات الصهيونية كررت مذبحة دير ياسين في الدوايمة. وقد طلبت الأمم المتحدة السماح لمراقبيها بزيارة الدوايمة للتحقق من حدوث المذبحة، وبعد أن رفض “الإسرائيليون” الطلب ثلاث مرات، سمحوا في 8 تشرين الثاني/ نوفمبر لضابطين من الأمم المتحدة بزيارة القرية.

وهناك شاهد المراقبان عدداً من المنازل لا يزال الدخان يتصاعد منها، وبعضها كانت تفوح منه رائحة غريبة تشبه رائحة العظام المحروقة. وعندما طالبا بتفقد مسجد القرية أعلمهما ضابط صهيوني بأنهم لا يدخلون المساجد احتراماً للتقاليد، لكن إلقاء نظرة سريعة كان كافياً للتأكد من أن جنود العصابات الصهيونية قد دنسوا المسجد بالفعل. وعندما منع “الإسرائيليون” الفريق من تفقد الجهة الأُخرى من القرية بحجة وجود ألغام زرعها العرب، لم يقتنع أحد المراقبين، إذ إن المنطقة المذكورة كانت تقع في مواجهة الخطوط العربية، ولم يكن من المنطق أن يزرعها العرب بالألغام.

أمّا فيما يتعلق بعملية إجلاء السكان، فقد نفى “الإسرائيليون” استخدام القوة لطردهم، بل زعموا أن السكان هربوا عندما غادرت القوات العربية المنطقة.

تختلف المصادر بشأن تحديد عدد دقيق لضحايا المذبحة، لكن التقديرات، استناداً إلى البيانات والتصريحات، تتحدث عن مئات الضحايا. فقد أشارت تقارير في مركز شرطة الخليل، إلى استشهاد نحو 200 من أبناء الدوايمة الذين احتموا في مسجد القرية ومعظمهم من كبار السن الذين لم يتمكنوا من الهرب. أمّا الحامية المصرية في بيت لحم، فبلّغت قيادتها أن 500 من أبناء الدوايمة وقعوا ضحية المذبحة، بينما ورد في تقرير القنصل الأميركي في القدس، نقلاً عن أنباء وصلته، أن 500 – 1000 عربي قتلوا في الدوايمة. من ناحيته، أكد مختار القرية، أنه أحصى 455 ضحية، وقد سلم قائمة بأسماء الضحايا إلى الحاكم العسكري الأردني. كما ذكر أنه كان أيضاً عدد آخر من الضحايا من بين الذين كانوا قد التجأوا إلى القرية، ولكنه لم يستطع إحصاءهم. أمّا بن – غوريون، فقد تحدث عن شائعات بشأن قيام الجيش الإسرائيلي بقتل نحو 70-80 شخصاً.

في كانون الأول/ ديسمبر 1948، وخلال مناقشة لجنة وزارية صهيونية التجاوزات المرتكبة، أُثيرت مسألة الدوايمة، واعتبر وزير الزراعة أهارون زيسلنغ (وهو من حزب مبام) أن الجنود ارتكبوا أفعالاً نازية، وأبدى انزعاجه من عدم جدية التحقيق، لكنه وافق في النهاية، مع وزراء آخرين، على عدم الاعتراف بصورة علنية بأية تجاوزات للحفاظ على صورة إسرائيل.

وعلى الرغم من فظاعة ما حدث وعدم سريته، يبرز السؤال لماذا لم يكن للمذبحة أصداء شبيهة بالتي أعقبت مذبحة دير ياسين؟ ولعل التفسير الذي قدمه أمين سر مؤتمر اللاجئين العرب في رام الله قريب من الواقع إذ يذكر أن الفيلق العربي (القوة العسكرية شرق الأردنية المرابطة في منطقة الخليل) خشي من أن يؤدي انتشار أخبار ما جرى في الدوايمة إلى النتائج ذاتها التي أدت إليها أخبار دير ياسين من إحداث موجة أُخرى من الهجرة.

بعد المذبحة، تفرّق الناجون من أهل الدوايمة، ففي البداية مكث عدد منهم في القرى والخرب القريبة من خط الهدنة ينتظرون العودة إلى قريتهم، ثم توجه معظمهم إلى المخيمات ومنها مخيم عين السلطان في أريحا، ومخيمي العروب والفوار في قضاء الخليل، وإلى مناطق أُخرى من الضفة الغربية، وانتقل قسم آخر إلى مخيمات الأردن.

وفي سنة 1955 أقامت دولة الاحتلال مستعمرة “أماتسيا” على قسم من أنقاض الدوايمة، ولم يبقَ إلاّ مقام الشيخ علي الذي يقع على رأس تلة منبسطة جنوبي غربي القرية، تحيط به أشجار الصنوبر والبلوط.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى