مقالاتمنتدى الراية

في المونديال بقطر.. زمن التطبيع العربي يحزم حقائبه ويرحل

كتبه- راسم عبيدات

لا شك بأن بأنه مع صعود ترامب الى الحكم في أمريكا ،اوائل عام 20172017 ،وتبنيه لما عرف بصفقة القرن لتصفية القضية الفلسطينية وشطب حقوق شعبنا الفلسطيني السياسية والوطنية،وحصرها بمشاريع اقتصادية وصفقات تجارية،تولى عقد مؤتمر اقتصادي لها في المنامة عاصمة البحرين ،بواسطة صهره كوشنير ،24و25/حزيران/2019، واعقب ذلك ممارسة ضغوط كبيرة على العديد من دول النظام الرسمي ،لكي يكون عام الألفية الثانية، عام الهرولة التطبيعية العربية الرسمية مع دولة الكيان،وعام شطب القضية الفلسطينية،ولكي يجري افتتاح هذا المزاد التطبيعي، من قبل مشيختي الإمارات والبحرين،بتوقيع اتفاق التطبيع وإقامة العلاقات الدبلوماسية مع دولة الكيان في واشنطن برعاية أمريكية،في ايلول من عام 2020، ولتتبعها بعد ذلك دولة السودان في تشرين أول من نفس العام، والمغرب في كانون اول من العام نفسه، ونتنياهو وترامب اعتبروا هذا التطبيع العلني لهذه الدول مع دولة الكيان والذي حظي بدعم من مصر والأردن والسعودية، الأب الروحي لهذه الخطوة، اعتبروا بأن هذه هي المقبلات التطبيعية،والوجبة الدسمة قادمة، بالتطبيع العلني مع السعودية ، والسعودية كانت تتمنع وتتردد،رغم ان العلاقات التطبيعية مع دولة الكيان قائمة في السر منذ زمن بعيد،بقيادة مسؤول الإستخبارات السعودي السابق بندر بن سلطان،ومدير عام وزارة خارجية دولة الكيان الأسبق دوري غولد …وكذلك الزيارة التي قام بها رئيس الوزراء الإسرائيلي أنذاك بنيامين نتنياهو في تشرين ثاني من عام/2020 الى مدينة”نيوم” الساحلية السعودية ولقائه بولي العهد السعودي محمد بن سلمان،وقيل بأن مايك بومبيو وزير الخارجية الأمريكي آنذاك كان جزء من اللقاء.

نتنياهو الذي شهد “صفقة القرن” والإحتفالات والعلاقات التطبيعية بين دولته والعديد من دول النظام الرسمي العربي التي هرولت للتطبيع بشكل سافر ووقع رغم إرادة شعوبها وجماهيرها،امعنت في التيه ،ولم تكتف بالتباهي والتفاخر بالتطبيع المجاني،بل ذهب البعض منها المغرب والبحرين نموذجا، نحو رسم وعقد اتفاقيات ومعاهدات أمن ودفاع مشترك مع دولة الكيان، وشراء أسلحة متطورة منه،والسماح له بإقامة قواعد عسكرية وبحرية على أراضيها،والتدريبات الجوية والعسكرية المشتركة.

في ظل هذه الأجواء ،بات المشهد الظاهري العربي تطبيعياً،رغم ان التطبيع لم يتقدم على المستوى الشعبي،وجوبه بمقاومة شرسة،منعت انتقاله وتمدده على مستوى المؤسسات والأفراد.

للتعويض عن عدم قدرة دولة الكيان على فرض سيطرتها وتفوقها الإقليمي عسكرياً،كان ينتظر نتنياهو التطبيع العلني مع السعودية،كخطوة تعويضية تحقق له هذا الهدف،وبقي الرهان على أن تقوم أمريكا بجلب بن سلمان الى بيت الطاعه،وأن تنجح المقايضة بمنح الشرعية لتولى السلطة والحصانة لبن سلمان،في ملف قتل الصحفي السعودي الخاشقجي،مقابل التطبيع مع دولة الكيان،ولكن الأزمة الأوكرانية، وأزمة الطاقة التي تعصف بأوروبا الغربية،بسبب توقف تزويدها بالغاز الروسي،لإلتزاماتها بالعقوبات الأمريكية،وحاجة أمريكا للنفط والدولارات، ذهبت لمنح بن سلمان الحصانة في ملف خاشقجي، حتى لا ينتقل الى الحلف الروسي – الصيني.،فالسعودية التي رفضت ان تزيد من كمية انتاجها النفطي ،بمليوني برميل يومياً،كتعويض عن النقص الحاصل في سوق الطاقة العالمي،قرار منظمة “أوبك بلس”،وكذلك تدعيم علاقاتها مع روسيا والصين،وهي تستعد لإستقبال الرئيس الصيني شي بينغ،لعقد ثلاثة قمم معه صينية – سعودية و صينية خليجية وصينية – عربية، مؤشر على ان أحلام نتنياهو بتجاوز صحون المقبلات التطبيعية الى الوجبة الدسمة بالتطبيع مع السعودية في طريقها للتبخر.

في قطر التي أرسلت وسائل الإعلام الإسرائيلية مراسليها،ليس فقط من أجل تغطية مباريات المونديال،بل لكي تنقل لنا صورة الإستقبال الحافل الذي ستحظى به وسائل الإعلام الإسرائيلية،والإحتفاء بالعلاقة مع دولة الكيان في مهرجان تطبيعيى الى جانب إحتفالات المونديال والمباريات، ولكن ما شهدناه في قطر..أن التطبيع الرسمي العربي يعيش أزمة عميقة، بحيث وصل حد الترنح والرحيل، فمراسلي وسائل الإعلام لدولة الكيان، صدموا، بأنه يجري التعامل معهم كالمصاب بالجرب، او من هو مصاب بالطاعون او جائحة ” كورونا” يجب التطهر منه بعد مسه او لمسه وعدم الإقتراب منه،وهذا المشهد كان طاغ في الشوارع وفي الأزقة وفي المطاعم وفي وسائل النقل وفي المقابلات الإعلامية،فلا أحد كان يعرف بأن من يقابله او ينقله في سيارته او يتواجد في مطعمه مواطن او مراسل إسرائيلي، حتى يبادر للتبرؤ والتطهر منه، فمن يعرف بأن من يجري لقاء اعلامي معه وسيلة اعلام إسرائيلية، يسارع لقطع المقابلة،والقول بأنه لا يوجد إسرائيل، وهناك فقط فلسطين،ويهتف لفلسطين،وحتى عند التقاط الصور ،تجد من يرفعون ويهتفون لفلسطين ليسوا فقط من البلدان العربية، لبنان والعراق والجزائر والمغرب وغيرها من البلدان العربية، بل من دول أمريكا اللاتينية ،ولعلنا جميعاً سمعنا عن السائق الذي انزل الركاب الذين معه لمجرد معرفته بانهم إسرائيليين ولم يتقاضي أجرة منهم،وصاحب المطعم الذي طرد الإسرائيلين من مطعمه،واخذ الهاتف الخليوي من احدهم،لمسح كل الصور عليه،للتطهر من أي تهمة بالتطبيع في المستقبل.

إنه الرفض الشعبي الشامل للتطبيع الرسمي العربي المتعاكس مع الإرادة الشعبية، وسقوط الرهان الأخير لنتنياهو على امل تشكل موجة التطبيع،مدخلاً لتغيير قواعد الإشتباك،من خلال جذب السعودية لمحفل التطبيع،فجذب السعودية للتطبيع يعطي الأمل للإسرائيليين، بالفوائد الاقتصادية المتحققة من هذا التطبيع، وفتح آفاق الأمل أمامهم بالبقاء في دولة الكيان، وتعيد إنتاج قوة وسطية في التجمع الصهيوني شكلت تاريخياً قاعدة مشروع “الدولة” و”السياسة”، وبغيابها غاب مشروع “الدولة” لحساب جماعة العقيدة والمستوطنين، وغابت السياسة لحساب مشروع المواجهات الدموية الأهلية، بين الفلسطينيين كسكان أصليين من جهة والمستوطنين من جهة مقابلة،إنه التطبيع الرسمي العربي يحزم حقائبه ويرحل.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى