مقالاتمنتدى الراية

عن أسباب تخلف اللبنانيين، الغباء المعتَّق!

كتبه- حسن حمادة

لا يختلف عاقلان في كون الشعب اللبناني يمرّ في حقبة من التخلف الشديد والذي يُعمّم حالة من الانحطاط التي يستحيل الخروج منها ما لم تُعالج المشكلة من جذورها، أي من النبع وليس من المصب.

إن مصدر المشاكل، أي النبع الذي منه تتدفق المشاكل وتختلط بعضها البعض هو التمسك بالانتماء الطائفي والمذهبي واتخاذه أساساً لأي انتماء آخر، بدءاً بالانتماء الوطني أو القومي.

ويتبين في ضوء التجارب، وعلى مر أكثر من قرن من الزمن، أن التمسك بأولية هذا الانتماء، وتقدمه على أي انتماء آخر، يُعطّل القدرات الذهنية عند الناس، وفي أحسن الأحوال يُخفّض من منسوبها إلى حدود قريبة من العدم، بحيث تُلامسه وتلتصق به كلما استفحل الموضوع الطائفي أو المذهبي. هذا يؤدي إلى سهولة الانزلاق نحو التبعية للخارج وبالتالي التحول إلى دمى صغيرة فيما دُرج على تسميته بـ”لعبة الأمم”.

أولى النتائج المباشرة لهذه التفرقة الطوعية التي يزج الناس أنفسهم فيها فيتباعدون، هي قيام حالة من التفرقة العنصرية فيما بينهم. وبدلاً من أن تكون هذه التفرقة العنصرية على أساس اللون، أي لون البشرة، تحدث هذه التفرقة على أساس طائفي أو مذهبي.

ينتج عن هذه التفرقة العنصرية تمييز عنصري يتمثل بمكاسب لفئة أو أكثر وحرمان لفئة أخرى أو أكثر. هذا التمييز حصراً، والذي تبلور بشكل نظام قيمٍ ومصالح، في القارة الإفريقية حيث انتشار احتلالات الرجل الأبيض، دُرج على تسميته بـ”أبارتهايد – APARTHEID”.

ومن طبائع الـ”أبارتهايد” أنه يُنشئ منظومات من المظالم والقهر ولّدت عبر التاريخ حالات من التمرد بلغت في أحيان عدة حدّ الثورات التي كم قوّضت من بعض هذه المنظومات، وكم أجهزت على بعضها آخر.

المعتقلات المذهبية تنشأ على حساب المتحدات الاجتماعية

حسبنا الإشارة إلى أن الـ”أبارتهايد” القائم في الحالة اللبنانية لا تنتج عنه ثورات تقوّض جزءاً منه أو تجهز عليه بالكامل. والسبب المباشر في الحالة الشاذة هذه أن الشعب اللبناني بلغ في انقساماته الطائفية والمذهبية حدّاً تحولت فيه الطوائف والمذاهب إلى ما يشبه المعتقلات البشرية المتناقضة بنيوياً وطبيعياً مع المتحدات الاجتماعية. المعتقل يحلّ محل المتحد. فصار لبنان، نتيجة لذلك، يتميز بظاهرتين فاقعتين بقوة حضورهما وتأثيرهما:

الظاهرة الأولى: هي انعدام مفهوم الفضيحة، لسبب بسيط وهو أن كل شيء في لبنان بات فضائحياً نتيجة لاستفحال داء الطائفية والمذهبية، وبالتالي نتيجة لإنشاء المعتقلات البشرية على حساب المتحدات الاجتماعية.

وهذا الواقع هو من مظاهر احتضار المجتمعات وبالتالي سقوط الشعوب إلى ما دون التشكل الاجتماعي مما يُغرقها أكثر فأكثر في غياهب الجهل والغباء، وبالتالي التخلف والانحطاط.

وأما الظاهرة الثانية: وهي ملازمة للأولى بحكم الطبيعة، فتتمثل في كون كل شروط الثورات الاجتماعية متوفرة في لبنان لكن الثورة لا تقوم. والسبب في ذلك أنه بمجرد أن يبلغ تململ الشعب من الظلم والفقر حد الاقتراب من الانفجار حتى يُرمى إليه موضوع إشكالي ذو بعد طائفي أو مذهبي، حيث يبتعد الفقراء عن بعضهم البعض ويستنفرون أنفسهم، كل داخل معتقله خشية من نزلاء المعتقلات الأخرى… وهكذا دواليك، فينتهي الأمر بالجماهير بأن تتذمر من قادتها، لكنها وفي كل مناسبة تجدد لهم وصايتهم عليها وتحكّمهم برقابها. فالجماهير في هذه الحالة تستفحل عداء لنفسها. يا لسخرية القدر.

ومن مظاهر التخلف والانحطاط، الناجمين عن تقدم الانتماء الطائفي والمذهبي على أي انتماء آخر، بما في ذلك الوطني أو القومي، هو أن الشعب اللبناني كما أثبتت التجارب يجهل أنه يعيش في ظلّ نظام “أبارتهايد” بكل ما فيه من ظلم وتوحش وعبثية وغباء معتّق. فينطبق عليه قول الفيلسوف المبدع غوتيه:

“ثمة عبوديةٌ لا يمكن الانعتاق منها، إنها العبودية التي يعيشها الإنسان وهو مقتنع بأنه حر”. يعني هذا أن نزلاء المعتقلات الطائفية والمذهبية في لبنان يعيشون حالة من العبودية دون أن يدروا بها، فكيف ينعتقون منها؟…

أَوَنسألُ عن أسباب التخلف والانحطاط؟!…

ومن ميّزات حالة السقوط إلى ما دون التشكل الاجتماعي أن الناس حين يفاجئهم الحديث عن خضوعهم، من حيث لا يدرون، لنظام الـ”أبارتهايد” يُسارعون إلى تجاهله ويعزز جنوحهم هذا كون الدول الغربية التي يتخذ كل منهم إحداها ضمانة له تُدير آلة الجهل والتجهيل في هذا المجال، وذلك في تعمدها الإشادة بما يسمونه “الديمقراطية اللبنانية” وكذلك ما يحكى عن التجربة اللبنانية الرائدة التي هي في حقيقة الأمر عملية تدمير ذاتي متواصل ومستدام. فالداخل والخارج يستخدمان من حين لآخر مصطلح “العائلات الروحية” للدلالة على المعتقلات الطائفية والمذهبية.

ومن خصائص حالة التخلف والانحطاط أنها تُولّد استعداداً دائماً لتكرار ارتكاب الأخطاء ذاتها على الرغم من الويلات التي عرفها لبنان وما زال يعرفها، سواء في فترات الحرب الساخنة أو فترات الحرب الباردة، والسائد في الحالتين هو التدمير النفسي في هذه والتدمير المادي في تلك.

فالعيش في مستوى ما دون التشكل الاجتماعي يُعطّل أية إمكانية لإنشاء الوحدة المعنوية للشعب اللبناني والتي، من دونها، عبثاً يحكى عن “الوحدة الوطنية”، مع العلم أن هذا المصطلح الأخير كم يكثر استخدامه، دون معنى ولا جدوى. فالكذب على الذات هو في أساس الكذب على الآخر لكن أكثرهم لا يعلمون.

في أواخر الستينيات من القرن الماضي، كتب المفكر القومي هنري حاماتي بحثاً يُختصر من عنوانه الواقعي: “جماهير وكوارث”. ويتبين من خلال تاريخنا كم هو مؤثّر وحقيقي هذا التلازم ما بين الاثنين، الجماهير والكوارث. فالجماهير تنتعش في المعتقلات الطائفية والمذهبية وليس في المتحدات الاجتماعية، وهذا ما تُوضحه التفاعلات الشعبية والانفعالات الغرائزية إزاء كافة المواضيع المثيرة للجدل، وخصوصاً منها ما له علاقة مباشرة بالقضايا الجزئية – المعيشية أوالكلية – المصيرية. وفي كل المواضيع التي تقسم ولا تجمع.

وتتألّق “علوم” المعتقلات المذهبية في مجال استحضار الحقوق المذهبية والطائفية لتبرير الأهواء والمصالح الشخصية والطبقية، وهي بطبيعتها مناقضة لمصالح “العامة”، أي عموم الناس، أي الجماهير. فهذه وجدت لكي تُسخَّر في خدمة حكام المعتقلات الطائفية والمذهبية الذين يسخّرون أنفسهم طوعاً في خدمة القوى الخارجية. نحن أمام نوعين من الارتهان الطوعي:

– النوع الأول: يتمثّل في الدخول الإرادي إلى المعتقل الطائفي والمذهبي، وبالتالي وضع طوق العبودية على الرقاب الطائعة، والتسليم بفقدان الحرية الفردية والكرامة الإنسانية للفرد – المعتقل وتسليم رسنه إلى آمر أو حاكم المعتقل.

– وأما النوع الثاني: فيتمثل بإقبال أولياء المعتقلات على وضع طوق العبودية في رقابهم وتسليم رسنهم إلى الخارج.

إنها صورة حيّة عن التراتبية في العبودية، حيث إن الإنسان – المعتقل يحلّ مكان الإنسان- المجتمع. ودائماً تكون دفّة القيادة للخارج فيما يُغلّب أهل الداخل ما يفرقهم على ما يجمعهم.

وهذه من طبيعة الأشياء، حيث إن الخيار الطائفي والمذهبي له الأوليّة على الانتماء الوطني والقومي. والدخول في “لعبة الأمم” له الأوليّة على حرية الوطن والأمة، طبعاً بالمفهوم العلمي الاجتماعي للأمة وليس بالمفهوم المشوّه لتجار الطوائف والمذاهب والأديان. فهذه التجارة هي التي تضمن مصالح هؤلاء، وبالتالي تضمن مصالح الصهيونية وقوى الاستعمار. ولا يمكن التوفيق بين الحالتين مهما بُذلت المحاولات في هذا السياق. إذ لا يمكن التوفيق ما بين الخير والشر أو بين الحق والباطل أو بين الجمال والقبح أو بين الوطنية والخيانة.

أَوَنسألُ بعد عن سبب التخلف والانحطاط اللذين أوصلا الشعب اللبناني إلى الكارثة التي بات مستقراً فيها؟!…

وأكثر من ذلك، فإن هذه “الخصوصية اللبنانية”، كما يحلو للبعض أن يسميها، يجري الاستلهام منها لوضع صيغ سياسية تتوج مشاريع ما يُسمى بـ “الحوار الوطني” في سورية والعراق بشكل خاص وربما اليمن أيضاً. كيف لا، والنموذج اللبناني يضمن أمرين يحظيان باهتمام الغرب الاستعماري والصهيونية:

–         الأمر الأول: هو أن “النموذج اللبناني” يقوم على قاعدة ديمومة الانهيار.

–         والأمر الثاني: هو أن هذا “النموذج” يمنع بشكل قطعي قيام مجتمع مكتمل المواصفات.

والأمران يتكفلان بعملية التدمير الذاتي الممنهج.

إن التفكير الطائفي والمذهبي يؤدي حكماً إلى إعاقة عقلية نعيش وقائعها في لبنان كما في فلسطين، وخصوصاً في العراق وكما على يد التكفيريين في سورية.

نراها في لبنان مثلاً من خلال الموقف المنعدم المنطق من فكرة المؤتمر التأسيسي أو من مجرد المطالبة بإعادة الدولة إلى الحياة الدستورية.

نراها في فلسطين، حيث الشعب الفلسطيني المعذب وأطفاله العظماء، بكل معنى الكلمة عظماء، يعيشون في واقع يكاد يكون منفصلاً بالكامل عن الواقع الذي تعيشه القيادات العليا، سواء في السلطة أو على مستوى القيادة العليا السياسية لحماس، حيث أن مِشعل اتخذ من قاعدة قطر الأميركية مقراً له لتحرير فلسطين من النهر إلى البحر!…

والأمثلة كثيرة وكثيرة جداً ولا مجال هنا لسرد أكثر من ذلك. ونجد أن مساحة الصهيونية العربية هي الحاوية للتفكير الطائفي والمذهبي. تفكير متعاطف بوضوح مع عثمانية أردوغان أو مع “ديمقراطيات الغرب”، وذلك في حنين جامح إلى الخضوع والتنعم مجدداً تحت نير الاحتلال.

أَوَنسألُ عن سبب التخلف والانحطاط؟!…

المصدر: صحيفة “تحولات مشرقية”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى