الوطن العربيمقالات

دوافع وخلفيات العودة العربية إلى سوريا.. وما الفوائد التي ستجنيها الأخيرة؟

شكّل قرار إعادة تفعيل مشروع خط الغاز العربي بين مصر والأردن ولبنان بضوء أخضر أمريكي، نقطة الانطلاقة للحديث بقوة عن عودة العلاقات بين سوريا ودول الجوار، فبدأت كل دولة تتحدث عن فتح المزيد من العلاقات وعلى أصعدة مختلفة، بعد عشر سنوات من مواقف مختلفة سبق أن اتخذتها من سوريا.

ولكل دولة من هذه الدول خلفيات ودوافع خاصة، من التقارب مع دمشق، فبينما تتركز الدوافع الأردنية واللبنانية على الشق الاقتصادي أكثر من غيره، يختلف إلى حد ما الدافع المصري، فالقاهرة لم تقطع علاقاتها مع دمشق حتى خلال فترة حكم أحمد مرسي الذي أعلن مقاطعته لسوريا، كانت القنوات الاستخباراتية بين البلدين فعّالة وفقاً لما صّرح به سابقاً الرئيس بشار الأسد في مقابلة تلفزيونية مع قناة “المنار”، وبحسب ما أفاد به الخبير الاستراتيجي اللواء علي مقصود في حديث لـ “أثر” فإن “مصر في الحقيقة هي التي أوقفت زخم الدعم الخليجي للإرهاب في سوريا ولكن لم يُعلن عن ذلك إنما لعبت هذا الدور من خلف الكواليس”.

اليوم قررت مصر الحضور علناً على الساحة السورية، وحول أسباب هذا الظهور في هذه المرحلة يقول اللواء مقصود: “عندما تعود العلاقات بين مصر وسوريا إلى وضعها الطبيعي فهذا سيشكل مناعة للدولة السورية وللموقف المصري دور أكبر بالضغط على الدول التي ما زال لها وجود احتلالي كما هو حال تركيا عندما رهنت مصر عودة علاقاتها مع أنقرة بأن يكون هناك انسحاب تركي من سوريا بشكل كامل، وهذا ينعكس على سوريا ويعزز أيضاً دور مصر الإقليمي والعربي بشكل أكبر”، الأمر الذي أكده أيضاً المفكر المصري عبد الحليم قنديل، بقوله: “إن مصر تسعى لإخراج كافة القوات الأجنبية التي دخلت بدون إذن الحكومة السورية من البلاد ” موضحاً أن “جزءاّ من الترتيبات التي تتم مناقشتها بين مصر وتركيا يتعلق بإخراج تركيا عسكرياً وسياسياً من المشهد السوري” بحسب ما نقلت “RT”.

أما اقتصادياً، فإلى جانب الفائدة التي ستحققها مصر من مشروع خط الغاز العربي، يشير الأكاديمي والباحث المصري في العلوم السياسية محمد الزواوي، إلى أن “مصر تحاول إنشاء دائرة جديدة في الإقليم بعد انهيار الدائرة العربية، والتقارب مع العراق والأردن وسوريا من شأنه أن يعزز مكانة القاهرة اقتصادياً، وأن يرفع مستوى التعاون من اقتصادي إلى سياسي واستراتيجي مستقبلاً” لافتاً إلى أن “سوريا تعد عنصراً مهماً في تلك الاستراتيجية، بالنظر إلى الثقل التاريخي لسوريا ومكانتها في الاستراتيجية العسكرية المصرية، كأحد أهم عناصر تطويق إسرائيل ومنعها من التفرد بدولة دون أخرى في الإقليم” وفقاً لما نقلته قناة “الجزيرة”.

وبالنسبة للأردن فإن الوضع مختلف، فعمّان التي كانت أحد أهم الداعمين لمسلحي المعارضة السورية، تُرسل اليوم وفودها إلى دمشق لعقد اتفاقيات وصفقات وتحقيق المزيد من التنسيق الاقتصادي والتجاري معها، دون أن تكتفي بمشروع خط الغاز العربي، حيث سبقت هذا التحوّل ضغوط في الداخل الأردني تدفع في هذا الاتجاه، أبرزها هو إعلان الاقتصاد الأردني كثاني أكثر اقتصاد تضرراً من قانون “قيصر” بعد سوريا، حيث تسببت هذه الضغوط بتسريع وتيرة الانفتاح على سوريا، وهو ما تجلى بوضوح خلال زيارة العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني إلى الولايات المتحدة في تموز الماضي، حيث تركزت مناقشاته مع بايدن على طرق تمرير المشروع وتجاوز عقوبات “قيصر”، إلى جانب الضغوط السياسية التي تعرضت لها الإدارة الأردنية من الداخل، حيث أفاد محللون بأن “بعض التغييرات الداخلية في الأردن لعبت دوراً مهماً، من بينها الموقف الذي اتخذته القوى اليسارية والأحزاب القومية العربية التي وقفت مع دمشق، وتراجع دور الأحزاب الإسلامية وخاصة جماعة الإخوان المسلمين على الساحة”، لنكون اليوم أمام واقع اقتصادي وسياسي جديد مع الأردن تتمثل أحد مظاهره بالإعلان عن إعادة فتح معبر نصيب- جابر الحدودي مع الأردن، الذي سيسهل وصول البضائع السورية إلى الأردن ومنها إلى دول الخليج، وغيرها من المشاريع التي لا تزال قيد التنفيذ.

وبما يتعلق بلبنان، فالحكومة اللبنانية ومنذ بداية الحرب أخذت موقف الحياد، ليتفرد كل حزب من الأحزاب اللبنانية بموقفه إزاء سوريا، إلى أن جاء الضوء الأخضر الأمريكي للأحزاب غير المتوافقة مع سياسة الدولة السورية لإطلاق مشروع خط الغاز العربي، فسرعان ما وصل الوفد الوزاري إلى دمشق لبحث آليات التنسيق، وسط مطالب من الداخل اللبناني بضرورة إعادة العلاقات مع سوريا بعد اقتراب الاقتصاد اللبناني من مرحلة الانهيار.

الحج العربي إلى سوريا غير مفاجئ وسبقه العديد من الرسائل غير المباشرة من قبل هذه الدول، فمنذ عام 2018 بدأت هذه الدول بإبداء رغبتها لإعادة علاقتها مع سوريا، أي منذ أن تمكنت الدولة السورية من فرض واقع ميداني جديد باستعادتها لمحافظتي حلب وريف دمشق بالكامل، كان له تأثيره على موقفها السياسي في المجتمع العربي والإقليمي، ومنذ ذلك الوقت يبدو أن هذه الدول كانت بانتظار الضوء الأخضر الأمريكي للإعلان عن موقفها الجديد.

اثر برس

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى