مقالاتمنتدى الراية

حبيتي مجدل 

كتبه- محمود فنون

وصلَت إلى أسفل الجبل ، لم تكن منهكة ولا متعبة ، ولكن استهواها الأمر بما يتوافق مع دلالها وأنوثتها الطرية ، تتطلعت حولها فأمنت فاستلقت على ظهرها ومدت ارجلها باتجاه المرج والقت بيديها الى جانبيها شاعرة بغبطة عظيمة ،واغمضت عيناها الجميلتان وسبحت في الفضاء الرحب .

هي وحيدة في مستلقاها ،والفضاء الرحب يملأ كيانها وجوارحها كلها .

مغمضة العينين دون ان تضغط جفناها ، هي إنما سبلت عيونها بدلال ونعومة تتفقان مع رقتها الانثوية .

شعرت أنها في الجنة . لا بل في عالم سحري ينساب في مخيلتها بعذوبة رقيقة وتشعر بدرجة عالية من الإستمتاع والشرود:

لو أنني أبقى على هذا الوضع إلى أبد الآبدين .

أبقى هكذا وحدي ؟

ما هذا الصوت وكأنه لهاث حصان

 ترى ما لونه؟

وذهبت في عالمها الخاص واتحدت به ولم تعد تتحسس ما حولها .

هي صبية.. لا هي بفارعة الطول ولا قصيرة  بل أكثر من متوسطة وقوامها متناسق طولا واكتنازا، وشعرها الكستنائي ملقا على الأرض  وشعاع من الفضاء يضفي على حسنها جاذبية أخاذة ويجعل وجهها الوضاء أكثر سحرا وجاذبية … شفتاها الكرزيتان مكتنزتان والشفة السفلى تتدلى قليلا وتكشف عن ابتسامة ساحرة وكأن وجهها مرسوم بها أصلا .

أنا آلهة هذه الارض وقدس أقداسها  قالت بسرور وتعالي ظاهر .

أنا الخصب والشمس والمطر .. أنا الروح التي تبث الحياة في كل مكان .أنا الأنثى .. أنا المرأة
– الحياة .. حياتي.. أنا المرأة ..وكأنها دخلت في سبات عميق ولكن وكالحلم تتحسس ما حولها

+++++

سار في طريقه لا يلوي على شيء ولكن إحساسا غريبا كان يدفعه ليعلو من المرج باتجاه أسفل الجبل .. بل أنه لاحظ أن الحصان كذلك متواطيء مع احساسه ويسير ميمما شطر اتجاه مجهول يتوافق مع احساسه الغامض ، ويدور مغيرا مساره ليتجاوز أماكن يصعب عليه اقتحامها ليعود مصرا على نفس الإتجاه . فالطريق غير مطروقة والاستمرار في الصعود يحتاج إلى تحديد الإتجاه بغريزة قوية .. تتغلب على التعب  واللهاث  .. والزبد الأبيض النازف من الفم والجلد.

يا رفيقي الامين : أين تسيّرني أو أسيّرك؟ . أنا ذاهب للمستقبل ، ولكن دقات قلبي تطرق في صدري كطبل يعزف لحنا .. إن روحي  تكاد تشعر بالبهجة.. فسر يا حصاني حيث نشاء معا .

هو شاب حنطي اللون مع مسحة من الصفاء ،جميل الجسم قوي البنية والشكيمة .. وقد اعتاد التعالي والشموخ .. مسكونا بعزة نفس  وانفة ..تتوافقان مع تفوقه الجسدي الصلب وروحه الوثابة واصراره العنيد .. إنه يشعر بقليل من التعالي في ذات نفسه دون أن يفقد التواضع المحبوب ولا ملامحه التي تتوافق مع طبيعته وسعيه لاختراق المجهول وتحديد الاتجاه يصاحب ذلك احساسا مرهقا بالوحدة .

إلى أين أسير ؟ وهل للمقادير أو الصدف  أم الغريزة أم ماذا يوجه مسيرتي ؟… الثابت أنني ابحث عن شيء لا تلبيه الفروسية وقوة الشكيمة وحب الصيد وملاقاة الفرسان .

 الحرية ؟

ما الحرية ؟ ما هذا الذي يخطر ببالي وأنا أسير وحيدا .

وحيدا ؟!

الحرية هي ان تحيى مع الغير وتشعر بالامان وتحصل على احتياجاتك.

ما هذا العالم المستلقي في حضن الجبل ؟ إذن إلى هنا كنت أسير .

هذه وجهتي وهذا ما ابحث عنه .

توقف قليلا ونظر وكأنه في حلم وهو منشغل بين إجبار الحصان على التوقف وبين التأملات التي ملأت كيانه …لا .. بل هو قد وصل بعد غربة المسار الطويل والبحث الغامض عن ما لا يحدد.

تقدم الحصان خطوة وخطوة أخرى وثالثة وهو بين الذهول والاسترجاع ، بين الحلم والحقيقة ، بين البحث واللقاء .

-أيتها الآلهة ..

وانهد عن الحصان بالقرب القريب.ليشكلا معا لوحة متكاملة يعجز الفنان عن رسمها والوصول إلى تفاصيلها الابداعية المعجزة.
يا ملاكي .. يا روحي التي تجشمت العناء بحثا عنها .

قوامك البديع هو انسانيتي
وجهك الوضاء هو صورة الآلهة والهام روحي
انت انت اكتمالي وحريتي وراحتي
فمك الكرزي وضوء عينيك المخبأ وراء الجفون الناعسة  واستلقاؤك في حضن الجبل ، وتمددك باتجاه المرج .
هنا ردت الروح التائهة .

انت الحب الذي لم أكن أعرفه من قبل ، تائها باحثا

– انت الحقيقة الغامضة

أنت ؟ من أنت ؟

إلاهة تفرش فروعها على الأرض المقدسة .

كل الينابيع من حولك سقاء لروحك ومجدك الابدي . والمرج قبالتك عاشقا معشوقا وتستحقينه وكله لك ومن أجلك .
من أنا ؟ من أنا ؟

انت حارسة هذه الارض وخصبها وعطائها .

من أنا ؟ أنا حارسك وحارس جسدك المفدّى .

لا تجزعي مني فأنا الأمان ، وأنا فدائي حريتك .ٍساحرث وأزرع وأبني وأقاتل كي تبقين حبيبتي

كما لو كان يعرفها من قبل :

هل تذكرين ؟

يوم التقينا  وانغرز عشقك في روحي  واصبح جزءا من كياني ..

تمطت قليلا ولا تزال ناعسة العينين

 أنا أعرفك يا فارسي الأسمر وأعرف عينيك الكحيلتين وزنديك القويين وحصانك الأبيض الأصيل .وانتظرك.

إن احساسي بقربك لا يفوقه احساس أنت أنت الحب .. أنت روحي وحياتي .لم اتوقف بحثا عنك ولم تغادر صورتك خيالي ..

افتحي بحر عينيك قليلا ليكتمل مرآك الشهي .

هو قد اكتمل بوجودك . ولكن من انتْ ولماذا أتيت إليّ ؟

طوال حياتي وأنا أبحث ولا أشعر بشيء كلما مررت عن جديد إلا هنا . أنا هنا .. أنت هنا .. والعالم كله هنا وأنا وإياك في حضن الجبل .

هل تعلمين ؟ تنهض في جسدي أزهار جميلة ويملأني العشق ولو شئت سأقلب لك كل هذا المرج بكل انواع الثمار الشهية والزراعة العطرة والأشجار الجميلة لتكون ثوبك الزاهي تلبسينه كعروس مدللة يحتفي بها كل العاشقين .

وهل تعشقني وأنا بعد لم أفتح عيناي ؟

انت عيناي وروحي وقلبي وإن كنت تغمضين كي لا ترين شيئا تكرهينه فإنني أرى ألق عينيك وهما مغمضتان وستفتحينها يوما …..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى