مقالاتمنتدى الراية

تقسيم فلسطين والتضامن الأممي!

كتبه- علي زيدان

استمعت مساء أمس إلى حلقة حوارية بمناسبة اليوم العالمي للتضامن مع الشعب الفلسطيني، قامت به مؤسسة فلسطينية. قال أحد المشاركين، أن ما يجري في هذا اليوم هو أن الفلسطينيين يتضامنون مع أنفسهم.

أين هو التضامن الأممي؟ ربما هذا ما يجري فعلاً منذ أن أعلنت الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 29 نوفمبر/تشرين الثاني عام 1977 يوماً دولياً للتضامن مع الشعب الفلسطيني، ويجري الإحتفال به كل عام.

ومنذ ذلك التاريخ، أي منذ اربعة واربعون عاماً، صارت المنظمات والم ؤسسات والجمعيات الفلسطينية تحتفل بهذا اليوم وحدها، بينما صار التضامن الرسمي العالمي يتقلص، بخلاف التضامن الشعبي. أما التضامن العربي فقد اخطأ إتجاهه وصار تعاوناً امنياً وسياسياً وإقتصادياً مع الكيان الصهيوني المحتل. بينما المناسبة الحقيقية لهذا اليوم، هو ذكرى تقسيم فلسطين الذي صوتت عليها ذات الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1947.

في ذلك اليوم من عام 1947 صدر القرار 181 الذي نص على تقسيم فلسطين التاريخية إلى دولتين. دولة لليهود على مساحة 57.7% من الأرض، ودولة فلسطينية على ما تبقى من الأرض، أي 42.3%.

هذا القرار أعطى الشرعية الدولية لشقة أرضنا ومنحها لمهاجرين يهود، تم تهج بهم من بلدانهم في اوروبا تحت رعاية أمريكية  وأوروبية  وصهيونية مدعومة بخرافات دينية وعنصرية.

ويمكن القول أن الجمعية العامة للأمم المتحدة ، حاولت تغطية جريمة تقسيم فلسطين عام 1977، أي بعد ثلاثين عاماً على إرتكابها، بتغيير المناسبة إلى يوم للتضامن العالمي الذي لا يُغني ولا يُسمن من جوع، ولا يُعطى دولة او أي حقوق.

وبهذا تتغير طبيعة المناسبة، فعوضاً عن إستذكار مأساة التقسيم وما رافقها من مؤمرات، يستمع الناس إلى خطابات جوفاء ويشعرون بقليل من السعادة.  كان ينبغي على المنظمة الدولية تطبيق قراراتها كاملة وليست مجزوءة، او ناقصة، او إستنسابية.

ينبغي العمل، على الأقل، على إعطاء الشعب الفلسطيني حقوقه على أرضه وحمايته من حروب الإبادة والتطهير العرقي، ومساعدته على إنشاء كيان وطني، او دولة قابلة للحياة على ما تبقى من الأرض وفقاً للقرار المذكور.

ماذا حصل في ذلك اليوم؟ تصاعدت اعمال المقاومة الفلسطينية ضد سياسة الإحتلال / الإنتداب البريطاني التي تشجع الهجرة اليهودية إلى فلسطين، وتصادر الأرض،  وتعمل على إنشاء وطنقومي لليهود في فلسطين.

توّج الفلسطينيون مقاومتهم باعلان الاضراب السياسي الكبير والعصيان المدني، عام 1936 الذي استمر لمدة ستة أشهر، وبداية الثورة الوطنية 1937 – 1939 . طرحت الحكومة البريطانية آنذاك فكرة تقسيم فلسطين إلى دولتين، يهودية وعربية في العام 1937 من خلال تقرير لجنة التحقيق الملكية برئاسة اللورد بيل ،بهدف مواجهة الثورة الفلسطينية المتصاعدة . غير أن المنظمة الصهيونية العالمية رفضت مقررات لجنة بيل ، وقامت بتعديل مقررات اللجنة بالتعاون مع الإدارة الأمريكية برئاسة هاري ترومان وطرحها للتصويت على الجمعية العمومية للأمم المتحدة . لقد أيّد القرار 33 دولة، ورفضته 13 دولة، وامتنعت 10 دول عن التصويت . وقد أ يّد الإتحاد السوفياتي برئاسة ستالين، الذي كان يعتبر الصهيونية حركة رجعية، قرار التقسيم، وعارضته الدول العربية.

لم تكتف الإدارة الأمريكية بدعم وإصدار قرار التقسيم، بل أصرت على زيادة عدد المهاجرين اليهود،  وأوصت بانشاء سور حول حدود المناطق التي إحتلها الكيان الصهيوني، لمنع عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى ديارهم.

وكان اللورد بيل قد أوصى بتقريره نقل السكان العرب القسري إلى خارج الدولة اليهودية ،وكذلك ضم الدولة العربية إلى شرق الأردن. وأيضاً دعى الرئيس ترومان إلى إبعاد الفلسطيين وطردهم من أراضيهم الواقعة داخل الكيان الصهيوني الوليد .

الدول العربية آنذاك، صوتت ضد قرار التقسيم. لكن ما حدث بعد ذلك غير معالم المنطقة برمتها وقضى على أي بصيص أمل بقيام دولة فلسطينية حسب القرار 181. ففي 13  كانون أول/ ديسمبر 1948 أقر البرلمان في عمان ضم المناطق الفلسطينية إلى شرق الأردن ومبايعة الملك عبدالله ملكاً، وذلك بناء على مفاوضات سرية صهيونية (موشيه ديان وإلياهو ساسون) وأردنية (عبدالله التل وشوكت الساطي” بين 10 و13  كانون أول/ ديسمبر 1948.  واقترحت الحكومة الإسرائيلية إعطاء قطاع غزة إلى مصر عوضاً عن ضمه إلى الأردن وذلك خلال مفاوضات الهدنة في رودوس في 11  كانون الثاني/ يناير 1949 . وفي عام 1993 دارت مباحثات سرية بين منظمة التحرير الفلسطينية والكيان الصهيوني، تم بموجبها عقد إتفاقية أوسلو التي سمحت بقيام سلطة وطنية مجتزأة على بعض الاراضي الفلسطينية لم تؤدي إلى نشوء دولة، بل أدت إلى إنقسامات داخلية وضياع منظمة التحرير.

اليوم، الدول العربية تعقد المصالحات مع الكيان الصهيوني، وتعقد معاهدات الصلح. وتنادي بمشاريع توحيدية إبراهيمية، وكانها ديانة جديدة ليس لها علاقة بالدين ولا بالشرائع السماوية . لكنها الصناعة الصهيونية الرائجة. اما السلطة الفلسطينية المحدودة، فهي  تواصل نهجها بالحفاظ على الإنقسام السياسي بين الفصائل الفلسطينية، ومستمرة بالتنسيق الأمني مع المحتل، تتعقب المناضلين وتسلمهم لسلطات الإحتلال او تسهل أغتيالهم. وأكثر من ذلك، فهي شاهدة على تآكل الأراضي لصالح المستوطنات اليهودية، حيث لم يتبق من الأرض المذكورة في قرار التقسيم ما يك ن ق لإقامة دويلة، ولم تستطع حماية ما تبقى من المشروعالوطني الفلسطيني.

ما العمل؟ ما  هي الدروس المستقاة؟ هل من دروس وعبر تتعلمها السلطة المهترئة والفصائل  والقيادات العاجزة؟ لقد أعلنت الهيئة العربية العليا إستقلال فلسطين في 1 تشرين لأول/ اكتوبر 1948، ولم يُسفر عن شيء. وأعلنت القيادة الفلسطينية قرار الإستقلال في 15 تشرين الثاني/نوفمبر 1988، مرة أخرى وتنازلت عنه في أوسلو . ليس هنالك حلاً سحرياً في الأفق.

لكن، ينبغي إعادة النظر بما يجري، والإستفادة من الدروس والعبر السابقة التي ما زالت تتكرر امام اعيننا. لا بد من تضامن فلسطيني فلسطيني حقيقي وفعلي يؤدي إلى وقف التدهور في مشروع التحرر الوطني، وإعادة الإعتبار له،  ووقف الإنقسام السياسي الوطني المدمر ووقف التنسيق  الامني مع سلطات الإحتلال، وتبني سياسة المقاومة الشاملة داخل فلسطين التاريخية .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى