مقالاتمنتدى الراية

“النضال” بإذن وعلى طريقة الأنظمة تطبيع!

بين المظاهرة والمقاطعة مسافة نضال.

كتبه- د. عادل سمارة
كلما إشتدت وتيرة النضال الشعبي الفلسطيني وخاصة المقاومة، الحقيقية المسلحة كلما تحرك الكثير في الشارع العربي من عامة الشعب وكثيرا من القوى الوطنية والعروبية واليسارية…الخ بمهرجانات وخطابات وأحياناً تظاهرات…الخ.

وأمس واليوم يمور الشارع العربي وبعض العالمي احتجاجاً على القتل العمد للصحفية شيرين ابو عاقلة.

وكل هذا جميل، ولكن!

كل هذا مهم وضروري ويجب استمراره ولكنه لا يكفي بل إن الامتفاء به خطير.

فمعظمه إن لم نقل جميعه في نطاق ما تسمح به الأنظمة الحاكمة ومنها التطبيعية. ولذا، ينتهي إلى حالة من الشحن والتفريغ من قبل الناس وإلى “شطف” ولو جزئي لوجه هذا النظام أو ذاك. وبعده يعود النظام لمواصلة التطبيع ، وتعود الناس إلى المنازل راضية عن نفسها معتقدة أن هذا هو أعلى المطلوب! وكأن المطلوب منها بضع ساعات غضب في مناسبة حقد ووحشية ما!

وبين الناس والأنظمة يقف الإعلام وكثير من المحللين ليلعبوا دوراً خبيثاً لصالح الأنظمة حيث يذكرون ويُمجدون ابطال وشهداء/ات الشعب العربي الفلسطيني ولكن لا يُقدمون مشروعاً ولا حتى تلميحاً لاقتراحات. كما لا يقومون بتحريض الشارع ضد الأنظمة ولا يطالبونها بتحرك جذري اشد وأوسع ومتواصل.

لسنا بصدد التقليل من ارتفاع منسوب التفاعل الشعبي العربي مع القضية، ولكن المطلوب، إن جاز لنا ملامسته، هو توظيف الجهد في مساره الصحيح أو في أحد مساراته الصحيحة.

كما اننا لا يمكننا تغييب السبب الأساس في ضياع أو تضييع تفاعل الشارع العربي مع القضية وعدم تصعيده وتثميره وتنظيمه وديمومته، بل حتى تفاعل الشعب العربي في اي قطر مع نضالات الشعب في قطر آخر. والسبب الأساس هو غياب قوة حقيقية جذرية عروبية على الصعيد العربي العام والقطري ايضاً.

ولكن غياب أو تقصير حركة التحرر العربية لا يُعفي أيَّ عربي، كل عربي، ابداً من واجبه الذي يعرفه جيداً، او من السهل معرفته لذلك الواجب.

ونحن لا نطالب الناس بما لا يمكنها القيام به ولا حتى بما يكلفها جسديا أو ماليا أو معنوياً، بل بما يوفر عليها كل هذا ولكن بشرط المواصلة ومراقبة الذات بوعي .

لا توجد قوة أو شرطة أو مخابرات ترغمك على شراء منتجات اي عدو، ولا يمكن لتاجر يُروِّج منتجات الأعداء أن يرغمك على شراء ما جلب، بل أنت، برفض ما يبيع لتكسد أو تتلف، ترغمه على التوقف عن دوره هذا، عن ربحه هذا.

لا قيمة لوقوفك في الشارع وحمل الراية الفلسطينية وأنت تلبس اقمشة صنعها العدو ،
وتأكل منتجات صنعها العدو،
وتركب سيارة صنعها العدو،
وتنتعل نعلاً صنعه العدو،
وتدخن تبغاً صنعه العدو.

كثير من هذا متوفر في كل قطر عربي، وجميعه متوفر من دول صديقه، وكثير منه بوسعك الاستغناء عنه.

هذا التطبيع الاستهلاكي أخطر من التطبيع السياسي والثقافي والنفسي والأكاديمي المحصور في القصور ودوائر المخابرات ومواقع الطابور السادس الثقافي لأنه يقدم للعدو كلفة الرصاصة والمدفع والطائرة والصاروخ ورواتب العملاء، والإنفاق على فيالق الإرهاب المصنوع في الغرب باسم الإسلام أي الاستشراق الإرهابي، فكل هذا اثر المال/الإقتصاد وأكثر.

لا يمكن لأي نظام حكم أن يدخل بيتك وينتزعك إلى السوق لتشتري ويسكي هيوسن ولا سجائر مارلبورو ولا ماكس فاكتور ولا حلقوم تركي ولا شوكولا عليت الصهيونية. هذه منتجات معولمة لأعداء معولمين.

والأمر الأهم أن مقاطعة منتجات الأعداء هو اختيار الذهاب إلى عالم/نموذج التنمية بالحماية الشعبية سواء كان المواطن مدركاً ذلك ثقافيا فكريا سياسياً أم لا.

إنه دفع باتجاه تصنيع بعضها ولا نقل كلها، وزراعياً أكثر لأن فرص الزراعة وكلفتها وتقنيتها اسهل وبمقدور كل من يملك ما مقداره حديقة منزل.

وهذا حتى قُبيل أزمة كوفيد 19 وأزمة الحرب الدفاعية الروسية ضد الغرب واضطرار العالم بأجمعه للذهاب إلى إنتاج الغذاء

فكيف اليوم مع:
• ندرة المنتجات الغذائية
• وتعطُّل سلاسل التوريد
• وارتفاع كلف النقل والتأمين
• وافتقار بلدان المحيط للمال اللازم للدواء والغذاء المتواضعين.

إن مناهضة التطبيع ليست مجرد مقولات وشعارات واستعراض في الشارع ومشاهدة صور الأبطال الشهداء…الخ، إن مناهضة التطبيع هي قرار ذاتي ورقابة ذاتية وأسرية وتنظيمية في كل لحظة كي نقطع عادة الاستهلاك الشره أو الاستهلاك الطبقي أي تعالي الأغنياء بأنهم يشترون منتجات الغرب الثمينة.

إنه كذلك إرغام وضغط على المنتج المحلي لتحسين إنتاجه.

إنه مشروع التنمية بالحماية الشعبية فرديا وتعاونيا وطبقياً وبشكل متواصل لا لحظي ولا موسمي، نعم كي يُثمر. إنه مشروع الاستنفار التام، أنت جندي على ثغر من الثغور، ممنوع عليك النوم، وخطير أن تغفو يوما وتتنبه ساعة.

بهذا، يمكن إرغام الأنظمة على الرضوخ لضغط الشارع وإن ببطء شديد كي تخرج من الارتباط بالسوق الراسمالي وبقانون القيمة المعولم وخلق قانون قيمة للإنتاج المحلي والتبادل المحلي، قانون قيمة محلي قدر الإمكان أو قانون قيمة مناطقي عبر اعتماد مناطقي على الذات.

مقاطعة منتجات الأعداء بعديدهم اي:
• الكيان
• الغرب العدو
• الأنظمة العربية المطبعة.

أقل كلفة على الشعب حتى من مظاهرة حيث يمكن للعدو الحاكم قمعها واعتقال البعض. لا نقول كُفُّوا عن المظاهرات والكتابة والاعصامات، ولكن الأهم قاطعوا باستمرار، إجعلوا المقاطعة نهج حياة يومي وستشعرون مع الوقت بمتعة المشاركة الكفاحية حيث سيدرك كل شخص هو او هي أنه بدوره هذا قيمة ما.

فالمقاطعة لا تكلف بقدر المظاهرة لكنها تحزُّ حلقوم العدو لأنها تقطع عنه شرياناً تمويلياً.

أنظروا إلى الغرب الراسمالي اليوم، فهو نموذج عشق المال ونهب الثروات، إن شارعه المزركش يضطرب من ارتفاع الأسعار لأنه إعتاد الولوغ في دم الأمم. ولذا، قد يقود البشرية إلى حرب نووية لأنه يعبد أمرين:
• المال
• والمال ثم دمه.

هذا الغرب الذي كمَّم افواه القلة من بني جلدته التي ترفضه، فكيف لا يذبحنا نحن!

مقاطعة الأنظمة المحتضنة أو المتعاونة المتعاملة مع العدو تجبرها على تغييرٍ ما في نهجها إذا ما وُجدت أنظمة أو نظاما عروبياً يحدد ويقرر علاقته بهذا النظام أو ذاك على ضوء علاقته بالكيان.

صحيح أن تغيير الأنظمة وسياساتها أمر طويل الأمد، ولكن لا بد من الشغل عليه. وهذا اللون من المقاطعة هو تاريخياً من صنع الغرب نفسه لإيذاء وتقويض أنظمة ترفض الانصياع له والانطواء تحت جناحه.

فالغرب الراسمالي هو الذي قاطع روسيا البلشفية منذ انتصار الثورة، وهذا قاد لاعتماد الدولة الاشتراكية على الذات، وهو الذي قاطع ولم يتوقف عن مقاطعة بل حصار والعدوان الاقتصادي ضد كوريا الشمالية/الديمقراطية وكوبا ومع ذلك تطورتا، ويقاطع سوريا وفنزويلا وإيران ومع ذلك يصمدن ويتطورن.

وعليه، فلا أقل من أن نرد كيده إلى نحره ونضربه بسلاحه!

قبيل اغتصاب فلسطين عام 1948 ، بل عام 1918 كانت منظمات الاستيطان يرغمن المستوطنين على مقاطعة المنتجات الفلسطينية،(أنظر كتاب The Other Israel, p. 18 ) بينما حتى الآن أكثر الفلسطينيين والعرب لا يقاطعون الكيان!

كثيرا ما يدور جدال بأن حرب السلاح ضد الكيان قد تقود لاستخدام السلاح النووي وذلك لتبرير عدم النضال.

ومع ذلك، فبوسع العرب تجربة اسلحة أخرى:
• سلعة النفط: يمكن، لو كانت هناك دولة عربية ثورية أن تتحكم ببيع الطاقة بمعنى مقاطعة الأنظمة الصديقة للكيان، أو بيعها النفط بأسعار عالية ومخفضة للدول الصديقة، أنظروا كيف تمكنت روسيا من إذلال عنجهية الغرب اليوم.
• يجب رفض مزاعم الغرب أن النفط سلعة عالمية كي يُجبر منظمة أوبك على ضخ مزيد من النفط في الأسواق ليواجه بذلك المزيد قدرة الضغط الروسي على أعصابه الاقتصادية والنفسية. وهذا ما اعتادت ان تخدمه به السعودية حيث كانت تُدعى “المُنتج المُرجَّح- اي الذي يحافظ على توازن الأسعار النفطية كي لا ترتفع فوق ما يريد الغرب الراسمالي”. واليوم تفعل ذلك إمارة قطر ولا نعتقد أن حاكم اي بلد خليجي سيخرج عن طوع سيده الإمبريالي، نعم سيتظاهر البعض بالرفض وسيُناور من خلف الكواليس.
• يروجون بأن سلعة النفط عالمية لا يحق لدولة إحتكارها!! بينما يحتكر الغرب الصناعات المتقدمة Know-How .
• حرب الأسواق: يمكن لدولة عربية ثورية أن تقاطع منتجات الأعداء بعدم الاستيراد منها او التصدير إليها.

إن هذه اسلحة غير عسكرية ويمكن باستخدامها بشكل متواصل ومتشدد ان تجند أنظمة عديدة لصالح قضايانا. إن دولة عربية قوية ومركزية بإمكانياتها الاقتصادية التي يحتاجها العديد من دول العالم وسوقها الذي تحتاجه العديد من دول العالم بوسع هذه الإمكانيات لو توفر قرار سيادي عروبي أن تقود إلى انفضاض كثير من حلفاء الكيان عنه وصولاً ربما إلى تركيعه أو خنقه حتى دون نووي أو حرب تقليدية موسعة.

هذا معنى أن يتبلور تيار عروبي مجدداً وجديداً مهما كان الثمن. نعم “لا بد من صنعا وإن طال السفر”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

زر الذهاب إلى الأعلى