اخبار الوطنالاخبار الرئيسيةالراية الفلسطينيةالمرجعتقارير الراية

العراقيب الفلسطينية.. صمود أسطوري ومعركة استنزاف

منذ عام 2010 لا يمر شهر إلا ويتكرر فيه هدم قرية العراقيب الفلسطينية بصحراء النقب المحتلة، حتى وصل عدد مرات هدمها 212 مرة، آخرها اليوم، ولا يزال العداد مستمرا، بتصميم ممنهج من سلطات الاحتلال على تهجير سكان الأرض الأصلانيين، وإصرار فذ من أهل القرية.

لا تزال سلطات الاحتلال الصهيوني تهدم قرية العراقيب مسلوبة الاعتراف في النقب جنوب فلسطين المحتلة مرة تلو الأخرى على مدار 13 عاماً، بدعوى أنها بلدة غير معترف بها، وبلغ عدد المرات التي هدم بها الاحتلال العراقيب 212 مرة على التوالي، في حين لا يزال يصر أهالي القرية على الصمود بأرضهم وعدم تركها مهما بلغ الثمن.

 العراقيب والقرى المحيطة، منذ مطلع خمسينيات القرن الماضي، بعد أن احتلت العصابات الصهيونية فلسطين عام 1948، آبان النكبة، حاولت سلطاتها بشكل حثيث إخلاء أراضي النقب بالقوة من سكانها.

مسلسل الهدم

هدمت آلة الاحتلال الصهيونية، صباح اليوم الثلاثاء، خيام أهالي قرية العراقيب المهددة بالاقتلاع والتهجير في منطقة النقب، للمرة الـ212 تواليًا.

وهذه المرة الأولى التي تهدم فيها سلطات الاحتلال مساكن أهالي العراقيب، منذ مطلع العام 2023، بعد أن هدمتها 15 مرة في العام الماضي 2022، و14 مرة في العام قبل الماضي 2021.

وهدمت السلطات مساكن العراقيب للمرة 211، يوم 25 ديسمبر/كانون أول الماضي.

وتقتحم قوات الاحتلال قرية العراقيب في النقب باستمرار، وتهدم مساكنها، ضمن مخطط لتهجير سكانها، إلا أن الأهالي الصامدين فيها يعيدون بناءها في كل مرة.

والعراقيب واحدة من أكثر 45 قرية فلسطينية بالنقب، تسعى “إسرائيل” اقتلاعها عبر مخطط اقتلاعي، يقضي بتجميعهم في قرية واحدة “شقيب السلام”، وسرقة أراضيهم لصالح الاستيطان.

وتسكن قرية العراقيب مسلوبة الاعتراف 22 عائلة يبلغ عددهم حوالي 800 نسمة، يعتاشون من تربية المواشي والزراعة الصحراوية.

يذكر أنَّ القرية هدمت أول مرة يوم 27 يوليو/تموز 2010.

إصرار على التمسك بأرضهم

وتعرضت أراضي الفلسطينيين في العراقيب للاستيلاء بموجب القانون الصهيوني “قانون حيازة الأراضي” لعام 1953، مثل العديد من القرى الأخرى. فيما قالت “إسرائيل” إنَّ الأراضي في النقب، التي كان يعيش فيها أصحابها الفلسطينيون بين 15 مايو/أيار 1948 و1 أبريل/نيسان 1952، مملوكة لحكومة الاحتلال التي صادرت 247 كيلومتراً مربعاً في تلك المنطقة، كما أصدرت في عام 1965 قانون “التخطيط والبناء”.

 بينما يؤكد أهالي القرية أنهم يملكون وثائق تثبت ملكيتهم للأرض صادرة منذ عهد الدولة العثمانية، بالإضافة إلى أن مقبرة القرية يعود عمرها إلى بداية القرن التاسع عشر، قبل نحو قرن ونصف من قيام الكيان أصلًا.

صحيفة “هآرتس” العبرية كانت قد كشفت في تقرير لها أن السجلات التاريخية الجديدة كشفت أنَّ الفلسطينيين في تلك الفترة تعرضوا للترحيل القسري على يد “القوات الإسرائيلية” التي نشرت التهديدات والعنف والرشوة والاحتيال.

وكُشفت هذه السجلات في العام 2020، ضمن قضية قانونية على ملكية الأراضي التي رفعها فلسطينيو الداخل في العراقيب، وتقول “هآرتس” إن “الحكومة الإسرائيلية” تدرس القضية باعتبارها ذات أهمية “استراتيجية وطنية” لوضع حد للدعاوى القضائية الأخرى التي رفعها فلسطينيو الداخل للطعن في مصادرة أراضيهم.

في صباح يوم الثلاثاء 27 تموز/يوليو 2010، استفاق سكان قرية العراقيب على صوت جرافات الاحتلال التي بدأت بهدم نحو 40 منزلاً وأخلت نحو ثلاثمئة من سكانها، بحجة “البناء دون ترخيص”. فعاود سكان القرية بناءها من جديد، ليتم هدمها مرة بعد أخرى، حتى وصل عدد المرات التي تعرضت فيها القرية للهدم 212 مرة.

ويصر أهالي القرية البدوية على التمسك بأرضهم بشكل بصمود وتحد أسطوري، برغم هجمات سلطات الاحتلال والمستوطنين المتطرفين، قائلين إن الاحتلال ينوي بناء مشاريع خاصة به على أنقاض القرية، وهو ما سيمحو ثقافة البدو وتراثهم، وهو ما يعني إلغاء هويتهم.

واحدة من 45 قرية مسلوبة الاعتراف

تقع قرية العراقيب في شمال مدينة بئر السبع، في صحراء النقب جنوب فلسطين المحتلة، وتبلغ مساحتها أكثر من 200 ألف متر مربع، وتعد العراقيب واحدة من 45 قرية عربية في النقب مسلوبة الاعتراف، وهي ممنوعة من المياه والكهرباء والمواصلات، وغيرها من الخدمات.

ويعيش في القرية البدوية 22 عائلة، نحو 800 شخص، وتشكل الأغنام والمواشي مصدر رزقهم الوحيد، نتيجة لطبيعة الأرض الصحراوية التي تفتقر إلى جميع الخدمات المختلفة، كما يعيش المواطنون في بيوت من الصفيح والأخشاب والبلاستيك، فيما يقول أهالي القرية إنه لا توجد إمكانية لإقامة منازل من الطوب كما كان في السابق، لأن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تواصل هدم القرية بشكل مستمر.

في السنوات الأخيرة، نقل جيش الاحتلال قواعده إلى النقب في محاولة لتوسيع الوجود العسكري والصناعي هناك، وكوسيلة لزيادة عدد السكان اليهود على حساب السكان العرب الذين لا يزالون متشبثين بأرضهم رغم المحاولات اليومية للتضييق عليهم.

واستثمرت حكومة الاحتلال موارد ضخمة في مدينة بئر السبع، أكبر مدن الجنوب، لتحويلها إلى مركز للتكنولوجيا وريادة الأعمال والصناعات المتقدمة.

وأصبحت النقب المحتلة موطناً لمجموعة واسعة من المشاريع الصهيونية، بما في ذلك مزارع الطاقة الشمسية ومحطات الطاقة والصوبات الزراعية والصناعات الأخرى. وأعربت حكومة الاحتلال عن اهتمامها بدعم زراعة محاصيل الماريغوانا الطبية والتصنيع والدفاع الإلكتروني في المنطقة.

وأحد اللاعبين الرئيسيين في عملية “إعادة بناء النقب”، هو “الصندوق القومي اليهودي- JNF”، وهي منظمة مقرها الولايات المتحدة والقدس المحتلة، تمنح سلطات حكومية خاصة من قِبَل “الحكومة الإسرائيلية” لشراء الأراضي وتطويرها للاستيطان.

يشرف هذا الصندوق على العديد من المشاريع في أنحاء المنطقة، وغالباً ما يزيل مساحات شاسعة من الأراضي لبناء الغابات. وتوجد بعض التجمعات البدوية مسلوبة الاعتراف في مناطق محددة للإخلاء بسبب مشاريع. وبحسب الموقع الإلكتروني للصندوق القومي اليهودي الذي يقدم مخطط النقب، فإن الصندوق لديه خطة لتوطين 500.000 مستوطن في المنطقة.

ويقول الصندوق: أن ” صحراء النقب تمثل 60% من مساحة “إسرائيل”، لكنها موطن لـ8% فقط من سكان البلاد، وفي هذه الأرقام غير المتوازنة، نرى فرصة غير مسبوقة لإنماء المنطقة”.

اسستهداف النقب

ازدادت وتيرة الاستيطان في النقب وتوسعها بعد عام 1967، وفي أواخر السبعينات صدر “قانون السلام” بعد معاهدة “كامب ديفيد” المسؤومة الذي أدى لمصادرة أراضٍ جديدة لإقامة معسكرات لجيش الاحتلال بدلًا عن معسكراته التي كانت في سيناء، كما صدر في عام 2004 قانون “طرد الغزاة” والغزاة هنا هم “عرب النقب”.

في عام 2010 صادقت “لجنة تطوير النقب والجليل” في حكومة الاحتلال على مخطط لتوطين 300 ألف مستوطن في منطقتي النقب والجليل، وبالتزامن مع ذلك قررت سلطات الاحتلال هدم قرية العراقيب بالكامل في 27 يوليو من نفس العام، كانت بيوت القرية أسمنتية آنذاك، لكن سكان العراقيب البدويون قرروا إعادة بنائها بخيام وأعشاش من الخشب والصفيح، لتكون بداية مسلسل تحدٍ طويل بينهم وبين الاحتلال، أعيدت فيه الكرّة مئات المرات، وتطوّر نزاع قضائي بين الحكومة  وسكان القرية تطالب فيه “إسرائيل” السكان بدفع غرامة قيمتها ملايين الدولارات تعويضًا عن المعدات والقوات التي استخدمت في الهدم.

قانون “برافر”

في شهر يونيو/حزيران، سنة 2013 كانت مرحلة جديدة من الصراع على أراضي النقب، حيث أقر “الكنيست” الصهيوني بشكل مبدئي “قانون برافر”، الذي حصل على اسمه من إيهود برافر وزير التخطيط  الأسبق في الكيان الذي كان قد أوصى به، وينص على مصادرة أراض مساحتها نحو 850 ألف دونم في منطقة النقب جنوبي فلسطين، وهدم أكثر من 30 قرية فلسطينية لإقامة مستوطنات، وتهجير السكان العرب الذين يشكلون نحو 30% من سكان النقب، إلى مساحة لا تزيد عن 1% من مساحة المنطقة.

أثار القانون احتجاجات فلسطينية واسعة في الداخل المحتل، وشارك الآلاف في التظاهرات من بلدة حورة في النقب إلى حيفا مرورًا بمدينة يافا وأم الفحم والناصرة، ومن رام الله مرورًا بالقدس إلى قطاع غزة.

كان تاريخ بعض المحتجين أقدم من تاريخ النكبة نفسها، كما خاض فلسطينيو الداخل معركة نضال شرسة نجحت بإبطاله، حينها أعرب مسؤولون في المؤسسة الصهيونية، عن خشيتهم من أن تتحول المظاهرات إلى انتفاضة في الداخل المحتل.

هبة 2022

وعلى غرار العراقيب، العام الفائت 2022، شرعت ما تسمى “دائرة الأراضي” التابعة للاحتلال الصهيوني في يناير/كانون ثاني 2022 بـ “تشجير” أراض فلسطينية شاسعة في النقب تحديدا في سعوة الأطرش، وتجريف أخرى، تمهيدا لمشروع استيطاني يسمى “تشجير الصحراء”.

وتتخذ سلطات الاحتلال من ذلك المشروع ستارا لتهجير الفلسطينيين، وطمس هويتهم الوطنية، عبر تقطيع أوصالهم في القرى التي كانت حتى قبل قيام الكيان الصهيوني.

وردا على هذه المخططات، انتفض أهالي “سعوة الأطرش” من خلال مواجهات ومظاهرات، شاركهم فيها أهالي الداخل الفلسطيني المحتل عام 48 والنقب، على الأرض المهددة بالمصادرة، وقابلتها شرطة الاحتلال بالقمع والاعتقالات التي طالت مختلف فئات المجتمع الفلسطيني.

ويعيش في النقب؛ الذي تبلغ مساحته أكثر من 14 ألف كيلو متر مربع، أي ما يعادل 52% من مساحة فلسطين التاريخية، البالغة 27 ألف كيلو متر مربع، نحو مليون فلسطيني، 32% فقط يقيمون على أقل من 5% من أراضي النقب، في 45 قرية مسلوبة الاعتراف.

وتبرز أهمية منطقة النقب، الواقعة شرقي مدينة بئر السبع، كونها تشكل ما يقرب من نصف مساحة فلسطين، وتضم أهم القواعد العسكرية الاستراتيجية للاحتلال، ومرافقه الأمنية الحساسة، وشبكة الطُّرق التي يسلكها جيشه وأرتاله العسكرية، والتي تحيط بها القرى الفلسطينية.

وتُعيد أحداث هبَّة النقب الأذهان إلى أحداث “يوم الأرض”، ففي 30 آذار/ مارس عام 1976 هبَّ فلسطينيو الداخل المحتل ضد استيلاء الاحتلال على أراضٍ بالجليل، وصاحبه إعلان الإضراب العام، لكن الاحتلال حاول كسره بالقوة، ما أدى إلى اندلاع مواجهات، أسفرت عن استشهاد ستة فلسطينيين، وإصابة واعتقال المئات.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى